خالد جميل محمد
توحي عبارة العنوان “لم يَقتل التوبيخُ موهبتي”، بأن كاتبَها شديدُ الإعجاب بنفسه، ومغترٌّ بكفاءاته وكفاياته التي صمدت بحزم في وجه النقد حيناً والتوبيخ أحياناً، لكنه أثبتَ جدارته ونجاعةَ نِتاجه، إلّا أن المرادَ، في هذا السياق، هو الإخبارُ بأن إصرار ذي الموهبة هو ما يجعله قادراً على تجاوز العقبات والنكبات والنكسات المصحوبةِ بتقريعٍ يَقْصِم الظَّهْرَ، وتَثريبٍ يَئِدُ بذورَ الإبداع، ويَنسِف كلَّ ما من شأنه أن يُقحِمَ اسمَه بين آلاف الأسماء لمبدعين لهم هَيبتُهم ومكانتهم وشُهرتُهم، ولهم جمهورٌ يُقِرُّ بتميُّزهم ونجاحهم.
مُذْ كنتُ فتىً يافعاً، في مُقتبَلِ عمري، متحمِّساً لأن أكونَ (ناراً على علَمٍ)، شيوعياً صاعداً يطمح إلى (تغيير العالم)، باندفاعه النضاليّ المشبَع بشعارات الثورة والنضال لبناء المجتمع والإنسان، مجسِّداً هُوِيَّتي في كتاباتٍ ظننتُ أنها عِمادُ ذَيْنِكَ التغيير والنضال، وتلك الثورة المنشودة، لم يقتل التوبيخُ موهبتي، كذلك لم يسحقها استخفافُ مُقَرَّبين منّي، متمرِّسينَ في صَنْعَة مَحْقِ المَواهبِ، وتفعيلِ مشاعرِ تشويهِ الثقة بالنفس لدى مَن يفتح عينيه على ما قد يميّزُه، وتعكيرِ أجواءِ الطُّموحِ النقيِّ، لدى إنسان مبتدئ، ثُمَّ، لاحقاً، بعد أن وَعَيْت وصَقلَتني الحياةُ والانكسارات والإخفاقات والخسارات الجَمَّةُ، وعَجَنَتْ رُوحيَ التجاربُ وممارساتُ الحُسّاد والحاقدين والماكرين، ومجاملاتُ المحبّين، أدركتُ أن الموهبةَ الحقيقية لا يمكن أن تُبادَ بسهولةٍ، إلا إذا طعنَها صاحبُها وحكَم عليها بالهلاك، وأن الموهبة الزائفة مهما طال بها الزمنُ، لا بدَّ أن تندثر وتمضي إلى زوال.
في بدايات محاولات الحَبْوِ الأولى في مجال ممارستي الكتابةَ (الإبداعية)، كانت قَرارةُ نفسي تُخبرني بأنَّ ما أُنتجُه مُهَلْهَلٌ ركيكٌ، وكان استخفافُ بعضِ مَن عَدِموا صوابَ سبيلِ رعايتي وتشجيعي واحتضانِ مَلَكةِ التأليف عندي، حين قَصَدْتُهم، قاسياً، بل أغلقوا كلَّ أبواب الأمل في وجهي، فلم أجد إلا نفْسي في مواجهةِ الاستعدادِ الفِطْرِيّ الوليدِ، مثابراً على تنمية مهاراتي خُفْيَةً حيناً وعَلناً حيناً، حتى بلغْتُ مرحلةً تجرَّأتُ فيها، بيني وبين نفسي، بأن أزعم أنَّ ما أكتبه (إبداعٌ فريدٌ) يسمو على النقد، ثُمّ – مع مواصلة القراءة والاطّلاع وتعمّق التجربة – بدأ غرورُ العُجْب يَخْبو تدريجياً، إلى أن تيقَّنتُ، ولا أزال شديدَ التَّيَقُّنِ، من أنَّ ما أدَّعيه خالِصاً صِرفاً، ليس بريئاً من العيوب والنواقص، إدراكاً منّي بأنّ الصدق مع الذاتِ وتقبُّل النقد السليمِ، أهمُّ من انتظار مديحٍ غير صادقٍ.
في سياق هذا الاعتراف لا أزعُم – فــ(زعموا مَطِيَّةُ الكَذِبِ) – أنّي آتٍ “بما لم يأتِ به الأوائلُ”، لكنّي عَمِلْتُ عقوداً، في مجالات التربية والتعليم والترجمة والإعلام والمراجعة والنقد والتدقيق والتحرير اللغوي والأدبي والبحثي، باللغتين الكُردية والعربية، ومرَّ قَلَمُ ملاحظاتي الصادقة على مئات النصوص والمؤلَّفات والمجموعات الشعرية والقصصية والروائية والمقالاتِ، ومشاريع التخرّج، والأبحاث والدراسات ورسائل الماجستير وأطاريح (أطروحات) الدكتوراه، لمبتدئين ولمتمرِّسين مُتمكِّنين ومبدعين حقيقيين و(كتّابٍ) لا علاقة لهم بالإبداع، وظلَّ الواجبُ الخُلُقيُّ والمهنيّ والإنسانيّ يدفعني دائماً لأن أكون، بحسب مستوى عِلْمي ومعرفتي وإمكاناتي، صادقاً صريحاً وأميناً، وموضوعياً في نقدي وآرائي، دون أن أتناسي بداياتي المتعثرة أو أغْفلَ عن تلكُّؤ مسيرتي التي لا أزال أراها تحتاج إلى صقلٍ وتطوير وإغناء.
مناسبةُ هذه الإشارة إلى أنَّ (التوبيخَ لم يقتلْ موهبتي)، هي أنَّ بعض المنخرطين والمنخرطات في مجالات الكتابة الإبداعية، منذ سنوات، يترفَّعون عن مصارحة أنفسهم بأنهم يفتقدون جَسارة مواجهة الذات بأنَّ ما ينتجون من نصوص هزيلة لا يستحق الثناء الذي ينتظرونه أو يتلقَّونه، وأن مستوى (الإبداع) المتدنّي الذي هم فيه، يوجب عليهم أحدَ أمْرَينِ: إمّا أن يطوّروا أدواتِهم وكافاءاتهم وكفاياتهم ليكونوا بقدْرِ مسؤوليةِ الكتابةِ، والكتابةِ المسؤولةِ، وإمّا أن يتركوا هذا المجال ويبتعدوا عنه، بعد أن عاهدوا أنفسهم بأنهم لن يحققوا الشرط الأول الذي يتوقف تحقيقُه على الإحاطة الجيدة والمتميزة والمتمرِّسة بجوانب المجال الذي يكتبون فيه، ويتوقف عليه الحكم الموضوعيُّ المجرَّد من المجاملة كما هو مجرَّد من التجريح.
خُلاصةُ المُراد من هذا كلِّه، هو أنَّ أحدهم أو إحداهنَّ، قد أصدر كتاباً أو أكثر، في الشعر أو القصة أو الرواية أو غيرها، دون أن يكلِّف نفسَه عناء تعلُّم أبسط قواعد اللغة وعلومها، كتابةً وإملاءً وصرفاً ونحواً ومعجماً وبلاغةً وأسلوباً وتعبيراً وصياغةً، وأبسط الأدوات اللازمة لخوض المجال الذي يتوهَّم أنه (يبدع) فيه، ثم يتعرَّص للملاحظات أو النقد، فيظهرُ (حريصٌ) يقول: “أنتم تقتلون المواهب وتُعادُونَها”، ويظهرُ مَدّاحٌ يقول: “نقدكم هدّامٌ قتّالٌ”، ويظهر ناصحٌ يقول: “بدلاً من النقد حاولوا أن تمسكوا بأيديهم وتساعدوهم على أن يطوروا أنفسهم وموهبتهم”.
الردُّ على هذه الأحكام / الشعارات المصاغة على شكل توصياتٍ، يمكن أن يوجز في ما يلي: أولاً، من الواجبِ حمايةُ ورعايةُ وتشجيعُ موهبةِ مبتدئٍ (أو مبتدئة) لا يزال في بداية طريقه، عاجزاً ضعيفاً حائراً متردِّداً، يحتاج إلى الوقوف على قدميه لينهض، ولا يعرف كيف يمضي نحو هدفه ومبتغاه. وهنا لا بد من الإمساك بيده ليجتاز مرحلة الحبو، وهو حقٌّ، إذا كان ذلك المبتدئ (أو المبتدئة) ذا موهبةٍ حقاً. ثانياً، من واجب المبتدئ (أو المبتدئة)، إن كان فعلاً ذا موهبة حقَّة وحقيقيةٍ، ويريد أن يكون مبدعاً، أن يكون مستعداً لقبول الملاحظات ممن يحرصون على تطويره وممن لا يحرصون، ومتحمساً لتحسين أدواته اللغوية والمعرفية والثقافية والإبداعية، في مجال الاختصاص الذي كرّس نفسه له.
ثالثاً، يمكن أن يشمل الصَّفْحُ النقديّ، كاتباً أصدرَ بعض النصوص أو كتاباً أو كتابين، ثم أدركَ أنه يحتاج إلى مراجعة جادّة لتصويب مساره، وتقويم اعوجاج منهجه. أمّا أن يواصل إصدار النصوص والمؤلفاتِ، مكرّراً الأخطاءَ نفسَها عشرات المراتِ دون اكتراث، وبدلاً من الارتقاء بمهاراته، ينحدر نحو هاوية الإخفاق والإفلاس ومعاودة الأخطاء القاتلة للذوق قبل أن تكون قاتلةً لِنَصّه وموهبته، ولا يعترف بذلك، فهذا لا يشمله شعار (الحفاظ على المواهب وتشجيعها)، ولا ينطبق عليه ما يسمى بــ (النقد البَنّاء)؛ فتحْتَ لافتةِ (النقد البنّاء) إزاء النصوص الرديئة، دُمِّر الذوقُ السليمُ وتصدر الفاسدونَ مشهدَ الإبداع وساحةَ الكتابة، وغُيِّب الجديرون بالتقدير والتكريم والاهتمام.
(الحفاظُ على المواهبِ وتشجيعُها)، شعارٌ يمكن تطبيقُ مضمونِه على مَنْ لا تزال تجربتُه يافعةً ناشئةً جديدةً، فلا يجوز تحطيم موهبته بالنقد الهدّام أو التقريع الشديد أو التدقيق في تفاصيلَ تحتاج إلى تَروٍّ وصبرٍ وأناةٍ، بل ينبغي اتّباع الرِّفق واللِّين واللُّطْفِ في توجيهه وضبط مساره وأدواته، حتى لا يَتِيْه في دروب الكتابة الفاسدة المبتذلة الهزيلة السائدة في أزماننا، لكن ذلك الشعار، لا يليق بشخص يكتب إلى جانب اسمه (شاعر، روائي، باحث، كاتب..)، كَمَنْ يكتب بجانبِ اسمه دالاً مُرفقة بنقطة (د. -) بعد أن حصل على (شهادة دكتوراه)!، دون أن يقدِّم أطروحة أكاديمية حقيقية. وهنا(!) لا بد من التمييز بين الدكتوراه الفخرية أو دكتوراه الشرف الحقيقية، ذاتِ القيمة التقديرية لشخصيات تستحقها فعلاً فتنالها، وبين الدكتوراه المُحَصَّلة بطرقٍ غير أكاديمية أو لم يقدِّموا ما يؤهِّلهم لتلك الدكتوراه الفخرية. فلا ذاك بأديبٍ ولا هذا بدكتور، حيث لا يُعقَل أن يحاصرَنا هذا الكمّ الهائل من النتاجات الهزيلة الضعيفة السقيمة، التي يكتب مؤلفوها بجانب أسمائهم ما يوحي بعبقرية وإبداع وتبحُّر في علوم اللغة والآداب والمعارف والثقافات، إلا أن الحقيقةَ خلافُ ذلك.
الطريقُ إلى الكتابةِ ليس سالكاً بالتصفيق والمجاملات التي عهدناها غالباً في ساحتنا الإبداعية، وندفع ضريبتها على مختلف مستويات حياتنا ومجالاتها، بل هو سالكٌ بالاختبار والتمرّس في التجارب وصَقْل المواهب وتهذيبِ الفكر وتدريبه على ما هو أجمل وأفضل. فالكاتب (الشاعر، القاصّ، الروائي، الباحث..) المبتدئ، إن كان موهوباً فعلاً، ويحمل في داخله بذرةً حقيقيةً من الإبداع، لا تُخيفه قسوة النقد، إنْ وُجِدتْ، بقدر ما تُوقِظُه. فمهما اشتدَّ النقدُ والتقريعُ ومحاولاتُ إيهانِ العزيمةِ وتفتيرِ الهِمَّة، لا بدَّ، إن كان فعلاً يحمل بذرة الإبداع الحقيقي، أن يتحول عنده إلى دافعٍٍ وأداةِ صَقْل، يلتقط من ذلك النقد ما يفيده، ويترك ما لا يخدم تجربتَه، ثم يمضي بثباتٍ في الطريق الذي اختاره لنفسه، واثقاً غيرَ آبهٍ.
الموهبة الصادقة لا تبحث عن الإعجاب والتصفيق والمجاملات الخاوية، بل تفتّش عن آليات التطور والنمو والصَّقْل. أما مَن يفتقد تلك البذرة، فإن أول اصطدامِ بنقدٍ حقيقي يكشف هشاشةَ عمله، وسرعان ما يتراجع، أو يختفي، أو يعاندُ فيبقى على عِلّاته دون أن يطوّر ذاتَه، لأن ما كان يحركه لم يكن شغفاً أصيلاً، بل كان رغبةً عابرةً في الظهور أو الثناء فحسب. وهنا يتجلى الفرق بين من يكتب ليكون مبدعاً حقيقياً، ومن يكتب ليُرى ويُشار إليه بالبَنان ويُصفَّق له فحسب.
وكما أن هناك (نقداً) عِمادُه التجريحُ غيرُ المبرَّرِ، هناك (نقدٌ) زائفٌ أيضاً، يلبَس ثوبَ التشجيعِ المُفرِط، خاصةً من الأصدقاء، أو -دون تعميم- من بعض (الذكور) تجاه الكاتبات المبتدئات اللواتي يبحثْن عمَّن يهديهنَّ سواءَ السبيل في الكتابة، فيصطدمْنَ بهذا النوع من (النقّاد)، تحت شعار احتضان المواهب ودعمها، لأهدافٍ أبعد ممّا يتوهَّمْنه بأنه رعاية(!). ومثل هذا التشجيع غالباً يخفي وراءه نوايا لها علاقة بالاستغلال والابتزاز والتحرُّش، أكثر من علاقتها بالإبداع والرعاية وتنمية المواهب، بدلاً من تعزيزها وتمكينها. فالموهبة الحقيقية لا تحتاج إلى حماية (نقدية) زائفة، أو تجريح انتقاميٍّ لا لزومَ له، بل تحتاج إلى استعدادٍ ذاتيٍّ قبل كلِّ شيء، ثم تحتاج إلى بيئةٍ صادقةٍ حاضنةٍ، فيها نقدٌ عادلٌ قَويمٌ، وتوجيهٌ نزيهٌ، بعيدٌ عن المقاصد الخارجة عن إطار الحرص والرعاية، وتحتاجُ الموهبة الحقيقة أيضاً إلى مَسافة آمنةٍ تحفظ كرامة الناقد والمنقود/ة. وإن كان لا بدَّ من مقارنة، فإن القسوة الصادقة تَبْنِي، أمّا اللُّطف الزائفُ المخادِع فإنه يُفسد أكثر مما يُصْلِح، ويُدَمِّر أكثرَ مما يُنشِئ. وفي النهاية، وحدَه الإبداعُ الحقيقيُّ ينجو، لأنه يعرف كيف يحوّل كلَّ ما يعترضه أو يواجهُه من تجريح وقسوة أو تزيين ومدحٍ وتصفيق، إلى خطوةٍ نحو الأمام.