مستقبل الحقوق الكردية في ظل مسارات الاندماج

نورالدين عمر 
مع تسارع وتيرة الاندماج بين قوات سوريا الديمقراطية ومؤسسات الإدارة الذاتية من جهة، وبين تشكيلات السلطة المؤقتة في سوريا من جهة أخرى، يجد الحراك السياسي الكردي نفسه أمام استحقاق تاريخي يتطلب الانتقال من لغة الشعارات إلى استراتيجية التأصيل الدستوري والقانوني. إن هذا الاندماج لا يمثل نهاية المطاف، بل هو تدشين لمرحلة نضالية جديدة تفرض على القوى الكردية تركيز جهودها حول أربعة محاور استراتيجية لا تقبل المساومة:
أولاً-الاعتراف الدستوري بالهوية:
إن الأولوية القصوى تكمن في انتزاع اعتراف دستوري صريح بالهوية الكردية، وضمان الحقوق المشروعة للشعب الكردي كجزء أصيل وبنيوي في العقد الاجتماعي السوري الجديد. إن تثبيت هذه الحقوق في صلب الدستور هو الضمانة الوحيدة لحمايتها من التقلبات السياسية أو التراجعات التي قد تفرضها موازين القوى مستقبلاً.
ثانياً-اللغة الأم كحق إنساني ووطني:
لأن اللغة ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي وعاء الهوية والوجود لذلك يجب الضغط لاعتماد اللغة الكردية لغة تعليم أساسية وإلزامية لأبناء الشعب الكردي، وتثبيت حق التعلم باللغة الأم كحق قانوني غير قابل للتفاوض ضمن النظام التعليمي العام.
ثالثاً-الفيدرالية واللامركزية الموسعة:
النضال من أجل بناء نظام سياسي فيدرالي يعتمد اللامركزية الموسعة يمثل خارطة الطريق المثلى لضمان التوزيع العادل للسلطة والثروة. هذا النموذج يمنح الأقاليم أوالمحافظات الحق في إدارة شؤونها الذاتية، مع الحفاظ على وحدة الدولة السورية، مما ينهي عقوداً من التهميش والمركزية المقيتة.
رابعاً-التحالفات الديمقراطية العابرة للمكونات:
يتوجب مد جسور التعاون وتعميق العلاقات الاستراتيجية مع كافة القوى السياسية السورية المؤمنة بالتحول الديمقراطي. إن بناء دولة تعددية تحترم حقوق الإنسان والمواطنة المتساوية يتطلب عملاً مشتركاً مع شركاء يتقاسمون الرؤية ذاتها لمستقبل سوريا.
وبين واقعية الحوار واستحقاقات النضال، فإن الاندماج الجاري حالياً لا يعني حل كافة القضايا العالقة، بل هو نقطة انطلاق لمرحلة تتطلب توحيد الموقف الكردي، خاصة بعد صدور المرسوم الرئاسي رقم 13 والاعتراف الأولي باللغة الكردية كلغة وطنية. إن مخرجات “كونفرانس وحدة الموقف الكردي” يجب أن تكون البوصلة لتطوير النضال السياسي والجماهيري السلمي.
ورغم الخلفية المتطرفة والتوجه الديني للسلطة الحالية، إلا أن إبداءها الاستعداد للحوار وقبول الكرد كشركاء يفتح نافذة للعمل السياسي. لذا، ينبغي تجنب المواجهة العسكرية إلا كخيار أخير، والاستفادة القصوى من تصريحات السلطة التي تدعي عدم معارضة الحقوق الكردية، وذلك لتحويل تلك الوعود إلى نصوص دستورية ملزمة.
ختاماً، إن الحوار والنضال السلمي لا يعني الاستسلام لإملاءات السلطة، بل يتطلب توحيد الصف الكردي والتحام الشارع مع قيادته السياسية لزيادة الضغط. إن الهدف هو بناء دولة وطنية لا تقصي أحداً، وتضمن تطلعات الشعب الكردي كشريك حقيقي في الأرض والقرار.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

في 29 أيار 2026، ونحن نحيي الذكرى الحادية والعشرين لانطلاقة تيار مستقبل كردستان سوريا، نقف مرة أخرى عند لحظة التأسيس التي لم تكن عبارة عن حدث تنظيمي فقط ، بل تجسيداً حقيقياً لإرادة سياسية وُلدت من رحم المعاناة الكردية ومن الإيمان العميق بأن سوريا الجديدة لن تبنى إلا على قاعدة الديمقراطية والتعددية والاعتراف المتساوي بحقوق جميع مكوناتها. لقد أدرك مؤسسو…

ماهين شيخاني مقدمة: الإعلام رسالة… لا منصة للانتقام لطالما كان الإعلام الكوردي واحداً من أهم أدوات النضال، منذ صحيفة “كوردستان” عام 1898، وصولاً إلى آلاف المنصات الإلكترونية اليوم. لكن التحول الرقمي، رغم إيجابياته، فتح الباب أمام ظاهرة خطيرة: تسلل الانتهازيين والمتسلقين إلى المشهد الإعلامي، ليس لخدمة القضية، بل لتصفية حسابات شخصية وتشرعن مواقف لا أخلاقية ولا نظامية.   هذا المقال…

عبدالله كدو في ظل التغييرات المفاجئة والمتسارعة، وتنامي مشاعر الإحباط لدى شرائح واسعة من الكرد السوريين، لأسباب منها سوء أداء المنظومة الآبوجية خلال الفترة التي أعقبت إسقاط نظام الأسد العنصري، و بدء انهيار الإدارة الذاتية التابعة للمنظومة الآبوجية، ممثلة بقوات سوريا الديمقراطية “قسد” وحزب الاتحاد الديمقراطي PYD، الحزب الذي أسسه الآبوجيون بُعيد اعتقال زعيمهم عبدالله أوجلان، ثم إعلان فشل كونفرنس…

م. أحمد زيبار في سياق الظلم التاريخي الذي عانى منه الشعب الكردي، نشأت حركات سياسية حملت مشروع الخلاص والحرية، وسعت إلى تمكينه من العيش كسائر الأمم ونيل حقوقه القومية. غير أنّ مسيرة هذه الحركات، على الرغم من مشروعية أهدافها وعدالتها، أفضت إلى تحوّلات عميقة لم تكن جميعها في صالح هذا المشروع؛ إذ كرّس بعضها أنماطاً من التفكير المغلق، وأعاق تشكّل…