سمكو عمر لعلي
يقولون إنّ بعض الظنّ إثم، غير أنّ ما نشهده اليوم يدفع المرء إلى التأمّل العميق، بل وإلى طرح الأسئلة التي طالما حاولنا تجاهلها أو تأجيلها. لقد قلناها مراراً وتكراراً:
إنّ الانشقاقات التي عصفت بصفوف الأحزاب الكوردية لم تكن يوماً وليدة الصدفة، بل كانت – في كثير من مراحلها – صنيعة أنظمةٍ معادية، وفي مقدّمتها نظام حزب البعث وأجهزته الأمنية، التي أدركت أنّ تفتيت الصف الكوردي هو أقصر الطرق لإضعاف قضيته.
وحين انهزم ذلك النظام، وفرّ رأسه، ظنّ كثيرون أنّ تلك المرحلة قد طُويت، وأنّ من ساروا في ركابه، أو تأثّروا بسياساته، سيغيبون معه في ظلال الهزيمة. لكنّ الواقع جاء على خلاف ذلك تماماً؛ إذ لم تنطفئ جذوة الانقسام، بل ازدادت اشتعالاً، وبدأت الأحزاب تتكاثر على نحوٍ لافت، كأنّها تُفرِّخ ذاتها في سباقٍ محموم نحو الوجود الشكلي، لا نحو التأثير الحقيقي.
وفي خضمّ هذا المشهد المرتبك، هرولت القيادات إلى تأسيس أحزابٍ جديدة، أو الالتحاق بأخرى، بحثاً عن شرعيةٍ سريعة، أو موطئ قدمٍ في ساحةٍ مزدحمة أصلاً. كان المشهد أشبه بحالة من الفوضى السياسية، حيث يُقدَّم الكمّ على الكيف، ويُستبدل العمل القومي الجادّ بمظاهر حزبية متكاثرة، لا تزيد الواقع إلا تعقيداً.
وفي تلك اللحظات الحرجة، كان الشعب الكوردي – في روجآفایێ كوردستان – ينتظر، ولو بحدّه الأدنى، موقفاً موحّداً، أو بياناً مشتركاً يبعث الأمل، ويعيد شيئاً من الثقة. لكنّ الآمال خابت، وتبدّدت التطلّعات، وبقيت الساحة مشرذمة، تتنازعها الحسابات الضيّقة والمصالح الآنية.
إنّ هذه الظاهرة لن تنتهي ما دام المال السياسي يتدفّق دون رقابة، ويجد طريقه إلى بعض القيادات التي تُغَلِّب المصلحة الشخصية على المصلحة القومية. فالمال حين يتحوّل إلى أداة توجيه، يصبح قادراً على خلق الكيانات، وتمزيق الصفوف، وإعادة تشكيل المشهد بما يخدم أجنداتٍ لا تمتّ إلى تطلّعات الشعب بصلة.
وأتذكر، في أحد الاجتماعات الحزبية الموسعة في الثمانينات، أنّني اقترحتُ زيادة عدد المقاعد القيادية، كخطوةٍ استباقية لاحتواء الطموحات المتزايدة، وقطع الطريق أمام الانشقاقات المحتملة. لكنّ ذلك الاقتراح قوبل بالصمت، وكأنّ الآذان قد أُغلقت، أو أنّ الإرادة غابت. وهكذا، ضاعت فرصة أخرى كان يمكن أن تُسهم – ولو جزئياً – في الحدّ من هذا النزيف المستمر.
واليوم، تفرض الأسئلة نفسها بإلحاح:
من يقرّر هذه الانشقاقات؟
ومن ينفّذها؟
ولصالح من تُدار هذه اللعبة التي لا تجلب سوى مزيدٍ من التشرذم؟
أهي قرارات داخلية نابعة من خلافات شخصية، أم أنّ هناك أيدٍ خفية ما تزال تعبث بالمشهد من وراء الستار؟
إنّ الإجابة عن هذه الأسئلة لم تعد ترفاً فكرياً، بل ضرورة وجودية لشعبٍ أنهكته الانقسامات، وأثقل كاهله الانتظار. وإنّ مسؤولية البحث عن الحقيقة لا تقع على عاتق النخب وحدها، بل تمتدّ إلى الشعب بأسره، ذلك الشعب الذي ما يزال – رغم كلّ شيء – يمتلك من الوعي ما يؤهّله لتمييز الفاعل من المفعول به.
فلنبحث معاً، ولنفتّش في التفاصيل، ولنُعمل عقولنا قبل أن نستسلم لليأس. لعلّنا نجد إجابةً تُريح ضمائرنا، أو بصيص أملٍ يُنير دربنا… إن لم يكن في حاضرنا، فليكن على الأقل عزاءً لنا في مستقبلٍ نرجوه، أو سكينةً نأملها، ولو حتى في قبورنا.
هولير6/4/2026