عودة تنبض بالذاكرة والحنين

خالد حسو

وأنا أترقّب هذه العودة، يملأني أملٌ صامت بأن يأتي يومٌ أعود فيه أنا أيضًا، بعد فراقٍ طال حتى أثقلته السنوات، وامتدّ لأكثر من أربعة عقود من الزمن.
أربعون عامًا وما يزيد، لم تكن مجرد غيابٍ عابر، بل مسافةً كاملة بين الإنسان وذاكرته، بين الروح ومكانها الأول، وبين القلب وما ظلّ ينتمي إليه رغم كل شيء.

كان هذا البعد طويلًا إلى حدٍّ جعل الحنين يتحول إلى جزءٍ ثابت من الحياة، وإلى سؤالٍ دائم عن معنى العودة حين تتأخر كل هذا الزمن، لكنها رغم ذلك تبقى حقًا إنسانيًا لا يسقط، وذاكرة لا تُمحى، وانتماءً لا يذوب مهما تعاقبت التحولات والسنوات.

وفي كل لحظة أرى فيها ملامح العودة لدى الآخرين، أستشعر أن للإنسان حقًا طبيعيًا في أن يعود، وأن يرى أرضه، وأن يلمس ذاكرته، وأن يستعيد ما انقطع منه، لأن المكان ليس جغرافيا فقط، بل هو امتدادٌ للكرامة والهوية والحق في الوجود.

في مشهدٍ إنساني بالغ الدلالة، تعود الحياة لتفتح صفحاتها من جديد في مدينة عفرين وريفها، حيث يستعيد أهلها طريقهم إلى أرضٍ ارتبطت بالذاكرة والهوية والطفولة، وظلت حاضرة في الوجدان مهما طال الغياب وتبدلت الظروف.

ليست العودة مجرد انتقالٍ مكاني من غيابٍ إلى حضور، بل هي لحظة استعادةٍ كاملة لجزءٍ عميق من الذات، وكأن الإنسان يعيد وصل ما انقطع بينه وبين ذاكرته الأولى.
فكل خطوة على الطريق تبدو مثقلة بتاريخٍ طويل من الانتظار، لكنها في الوقت نفسه خفيفة كأنها تتحرر من سنوات الفقد وتستعيد معناها الطبيعي.

تتداخل في هذه اللحظة مشاعر متناقضة؛ فرحٌ لا يخلو من دمعة، وحنينٌ يختلط بارتجافة القلب عند رؤية البيوت والأزقة التي حفظت تفاصيل العمر الأول.
الوجوه التي عاشت سنوات الغياب تحمل آثار التعب، لكنها في المقابل تشرق بنورٍ مختلف، نور العودة الذي يعيد للإنسان إحساسه العميق بالانتماء.

وفي كل زاوية من المكان، يبدو وكأن الذاكرة تستيقظ من سباتها الطويل؛ الجدران، الطرقات، والأشجار، كلها تتحول إلى شواهد صامتة على علاقة لا تنقطع بين الإنسان وأرضه.
وكأن الأرض، بكل ما فيها، تستقبل أبناءها بلغة لا تُقال، لكنها تُفهم بعمق في القلب قبل العقل.

إنها ليست مجرد عودة جسدية، بل عودة وجدانية كاملة، يلتقي فيها الماضي بالحاضر، وتتصالح فيها الروح مع المكان. فالمكان هنا ليس جغرافيا فقط، بل هو امتداد للهوية، وذاكرة حية لا تمحوها السنوات.

وفي لحظات كهذه، تتراجع اللغة أمام قوة الشعور، لأن ما يحدث أعمق من أن يُختصر في وصفٍ سريع، وأكبر من أن يُحاط بجملة واحدة. إنها حالة إنسانية خالصة، تعيد تعريف معنى الانتماء والحنين والعودة.

تبدو عفرين هنا وكأنها لا تستقبل أبناءها فحسب، بل تعود إليهم أيضًا؛ تُعيد صياغة ذاكرتهم، وتجمع شتات أرواحهم، وتمنحهم يقينًا صامتًا بأن ما يُزرع في القلب لا يغيب مهما ابتعد الزمن، وأن للأرض ذاكرة لا تنسى، كما أن للإنسان قلبًا لا يُشفى إلا بالعودة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

حسن قاسم يتردد في الآونة الأخيرة الحديث عن تشكيل مرجعية سياسية للكورد في سوريا، وهي فكرة تستحق الاهتمام والدعم إذا ما جرى التعامل معها بجدية ومسؤولية وطنية، لأن الشعب الكوردي يعيش منذ سنوات حالة من التشتت السياسي وخيبة الأمل نتيجة فشل معظم المشاريع والمحاولات السابقة، بدءاً من الاتفاقات البينية، مروراً بالمبادرات المختلفة، وانتهاءً بكونفرانس نيسان الذي لم يحقق ما كان…

اكرم حسين   عامٌ مضى على كونفراس وحدة الصف والموقف الكردي، كاشفاً بامتياز حجم التحديات التي تعترض العمل القومي الكردي، وفي الوقت ذاته مدى الحاجة الملحة إلى مشروع وطني كردي جامع يتجاوز الحسابات الضيقة ويؤسس لمرحلة جديدة من الفعل السياسي المسؤول. لقد قيل الكثير في نقد الكونفراس ، وربما كان في بعض هذا النقد جانب من الحقيقة، لكن الإشكالية…

المحامي عبدالرحمن نجار بضغط القوى الدولية ودعوة أقليم كوردستان العراق أنعقدكونفرانس في 26 نيسان 2025 بمدينة القامشلي أجتمع فيه مجلس الوحدة الوطنية بقيادةحزب الإتحاد الديمقراطي، وقيادة المجلس الكوردي، من أجل وحدة الصف الكوردي خاصة بعدرحيل نظام البعث.فتم الإتفاق على خطاب سياسي “الفيدرالية،اللامركزية”!. قلنافي حينها أنه مصطلح ناقص مخالف للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، أما المصطلح الصحيح هو:”الفيدرالية القومية وفق اللامركزية…

ماجد ع محمد   صحيحٌ بأن المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وإيران في إسلام آباد بباكستان تلكأت مرةً أخرى، ولكن هذا لا يعني بأنهم وصلوا إلى طريقٍ مسدود، ما دام أن الخصمين اللدودين إلى الآن مهتمان بالتهدئة، كما أنه معروف عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه مزاجي ورجل صفقات، حيث إن عيونه في كل الأوقات مفتوحة على الجانب الاقتصادي، وهذه…