رد على مقال: “في تفعيل كوادرنا وطاقاتنا الكردية السورية”

سرحان عيسى

بدايةً، لا بد من التأكيد على الاحترام الشخصي والتقدير للأستاذ عبدالله كدو، لما يمتلكه من تجربة ورؤية تستحق النقاش. غير أن هذا الاحترام لا يمنع من الوقوف عند بعض النقاط الجوهرية التي وردت في مقاله، خاصة حين يتعلق الأمر بمسار الحركة السياسية الكردية في سوريا ومستقبلها.

إن الدعوة إلى تفعيل الطاقات والكفاءات الكردية السورية هي دعوة محقة ومطلوبة، بل تشكل أحد أهم مفاتيح الخروج من حالة الجمود السياسي التي يعاني منها المشهد الكردي. لكن، في المقابل، لا يمكن القبول بأي طرح—حتى وإن جاء بنية الإصلاح—ينطوي بشكل مباشر أو غير مباشر على تقزيم أو تجاهل تاريخ الحركة الكردية في سوريا.

فالحركة الكردية السورية، منذ تأسيس أول تنظيم سياسي عام 1957، لم تكن مجرد حالة عابرة، بل هي حصيلة نضال طويل، وتضحيات جسيمة قدمها مئات المناضلين والسياسيين الذين حافظوا على الهوية والقضية في أصعب الظروف. إن إنكار هذا التاريخ، أو القفز فوقه تحت عناوين التجديد والتحديث، لا يخدم الهدف المنشود، بل يخلق قطيعة غير مبررة بين الأجيال السياسية. وفي هذا السياق، شهدنا في الفترة الأخيرة تصاعد دعوات ومشاريع من بعض الشخصيات الكردية لعقد مؤتمر كردي جامع أو تأسيس مظلة سياسية جديدة تحت مسميات متعددة، وهو حق مشروع في إطار البحث عن تطوير العمل السياسي. إلا أن الإشكالية تبدأ حين تتجاوز هذه المشاريع حدود الواقعية السياسية، أو تتحول إلى منصات لإنكار الدور التاريخي للحركة الكردية في سوريا، أو حين تُصاغ بدوافع انتقامية أو فردية ضيقة، وتُطرح بصيغة وصاية على الآخرين، بدلاً من أن تكون إطاراً جامعاً يقوم على الشراكة والتكامل واحترام التراكم النضالي.

من جهة أخرى، ما أشار إليه الأستاذ كدو حول تنوع البنية الاجتماعية الكردية هو توصيف واقعي إلى حد كبير، إلا أن اختزال الإشكالية السياسية في البعد السوسيولوجي أو النفسي فقط قد يبتعد بنا عن جوهر المشكلة. فالأزمة ليست فقط في طبيعة المجتمع، بل أيضاً في طبيعة البيئة السياسية القسرية التي عاش فيها الكرد لعقود، تحت سياسات الإقصاء والتهميش، ثم في ظل تعدد السلطات وغياب الاستقرار بعد اندلاع الثورة السورية. وهنا تبرز نقطة في غاية الأهمية، وهي أن الواقع الكردي لا يحتمل الاستمرار في حالة العداء الدائم مع كل من يختلف معنا، وخاصة مع حزب الاتحاد الديمقراطي، ولا يمكن تحميله وحده مسؤولية كل ما حصل ويحدث للكرد في سوريا. نعم، نحن مع المحاسبة والنقد والاختلاف، وهذا حق مشروع وضروري، لكن من غير الممكن الاستمرار في دوامة العداء والعنف ورفض الآخر، لأن ذلك لا يؤدي إلا إلى مزيد من الانقسام وإضعاف الموقف الكردي العام.

كما أن الطرح المتعلق بضرورة الاعتماد على مراكز أبحاث ودراسات هو طرح متقدم ومهم، لكن تحقيقه يتطلب بيئة سياسية حرة ومستقرة، ومؤسسات مستقلة، وهي شروط لا تزال غائبة إلى حد كبير في الحالة السورية. وبالتالي، فإن تحميل النخب أو القوى السياسية وحدها مسؤولية غياب هذه المقاربات قد لا يكون منصفاً.

أما فيما يتعلق بمسألة “تغييب الكفاءات” و”تصدر غير المؤهلين”، فهي ملاحظة لا تخلو من الصحة، لكنها ليست حكراً على الحالة الكردية، بل هي ظاهرة عامة في العديد من البيئات التي تعاني من اضطرابات سياسية عميقة. ومع ذلك، فإن معالجة هذه الإشكالية لا تكون عبر التعميم أو نزع الشرعية عن مجمل القوى السياسية القائمة، بل عبر إصلاح تدريجي، وتطوير أدوات العمل السياسي، وفتح المجال أمام الكفاءات ضمن أطر تنظيمية مسؤولة.

إن الدعوة إلى تمكين الشباب وإشراك الكفاءات يجب أن تتم بالتوازي مع الحفاظ على التراكم النضالي والسياسي، لا على حسابه. فالتجديد الحقيقي لا يعني القطيعة، بل البناء على ما تحقق، وتصحيح ما أخفق.

وفي الختام، يمكن القول إن مقال الأستاذ عبدالله كدو يفتح باباً مهماً للنقاش حول مستقبل العمل السياسي الكردي في سوريا، لكنه يحتاج إلى مقاربة أكثر توازناً، تعترف بالماضي كما تنظر إلى المستقبل، وتجمع بين النقد البنّاء والحفاظ على الشرعية التاريخية للحركة الكردية.

فالمطلوب اليوم ليس فقط تفعيل الطاقات، بل أيضاً توحيد الرؤية، وبناء شراكة حقيقية بين مختلف الأجيال والتيارات، على قاعدة احترام التاريخ، والاستفادة من الخبرة، والانفتاح على التطوير.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الآونة الأخيرة، وبشكل خاص بعد حرب الأربعين يوماً، يقوم النظام الديكتاتوري الحاكم في إيران بإعدام الشباب الإيراني تحت ذرائع مختلفة ومفبركة. كيف تعمل السلطة القضائية في النظام الإيراني؟ ممَ يخشى النظام؟ ولماذا يرتعب من الكشف عن الهوية الحقيقية للسجناء؟ لماذا ينتفض الشباب احتجاجاً ضد النظام الحاكم؟ هذه كلها تساؤلات يجب النظر إليها بعمق والغوص في خفاياها…

بدعوة من مركز الجالية الكردستانية وجمعية آشتي شارك وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا ضم الوفد كل من عبد الكريم حاجي رئيس الممثلية ومحمد امين عمر عضو مكتب الرئاسة وكاميران خلف مسؤول مكتب العلاقات ورئيس محلية بلجيكا بحري بشير وآراس محمد إسماعيل في ندوة سياسية تناولت قرار البرلمان البلجيكي المتعلق بحقوق الشعب الكردي في كردستان سوريا. وحضر…

محمود أوسو بين فترة وأخرى تطل علينا أصوات تدعي الأكاديمية لتنكر وجود الكرد في سوريا، وآخرها ما صرح به حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، من نفي لأصل الكردفي البلاد ووصفهم بـ الغرباء السؤال البسيط هل كانت سوريا موجودة أصلاً عندما كان الكرد يبنون دمشق وحلب وحماة وقلعة حصن الاكراد وقلعة حلب وهل شرف المهنة الأكاديمية يسمح…

مموجان كورداغي السؤال الأبرز الذي يبادر إلى عقل الإنسان السوي هو كيف لشعب أن يدعم ويساند منظمة تستنزف كل طاقاته البشرية وتدمر موارده المادية وتضر بمصالحه القومية فهو أمر غير منطقي وغير سليم ولابد من أن يكون هناك خلل ما. ومع ذلك ترى هذا الشعب يساند من يثقل كاهله بالأعباء و يحد من فرص تقدمه وتدعم وبقوة من يصبح…