هل تريد إسرائيل حربًا أطول مما يحتمل ترامب؟

د. محمود عباس

في كل مرة يُعلن فيها دونالد ترامب أن الحرب على إيران “تقترب من نهايتها”، يظهر سؤال لا يُطرح علنًا لكنه يفرض نفسه بقوة، هل هذه النهاية تخدم جميع الأطراف، أم أن هناك من يرى فيها بداية خطر جديد؟

هنا تحديدًا يتقدم دور إسرائيل بوصفه العامل الأكثر حساسية في معادلة الحرب. فبينما تسعى الولايات المتحدة إلى إدارة صراع محدود يمكن تسويقه داخليًا كنصر سريع، تنظر إسرائيل إلى هذه الحرب باعتبارها فرصة تاريخية لا تتكرر لإعادة تشكيل التهديد الإيراني من جذوره.

الفرق بين الرؤيتين ليس تفصيلاً تكتيكيًا، بل هو اختلاف في تعريف “النصر” نفسه. بالنسبة لواشنطن، النصر يعني إضعاف إيران بما يكفي لفرض شروط تفاوضية جديدة، ثم الخروج بأقل كلفة ممكنة. أما بالنسبة لإسرائيل، فالنصر لا يتحقق إلا عندما تُفكك البنية التي تسمح لإيران بإعادة إنتاج التهديد، برنامجها النووي، وشبكة وكلائها، وقدرتها على إعادة التسلح والتوسع.

من هنا، يصبح وقف الحرب في هذه المرحلة، من منظور إسرائيلي، ليس نهايةً مريحة، بل خطأً استراتيجيًا. لأن إيران، حتى لو خرجت أضعف، ستبقى قادرة على إعادة بناء أدواتها، ولكن هذه المرة بخبرة قتالية أكبر، وبوعي أعمق لطبيعة المواجهة. أي أن الحرب التي تنتهي اليوم دون حسم، قد تعود غدًا بشكل أكثر تعقيدًا وخطورة.

لهذا لا يبدو أن إسرائيل معنية بإنهاء الحرب سريعًا. ليس لأنها تبحث عن التصعيد لذاته، بل لأنها تخشى “النصر السياسي السريع” الذي لا يترجم إلى أمن طويل الأمد. فهي تدرك أن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس استمرار الحرب، بل توقفها قبل أن تُغيّر قواعد اللعبة.

وهنا تتجلى المفارقة، بينما يحاول ترامب إعلان نهاية قريبة للحرب، تعمل إسرائيل، بشكل غير مباشر، على رفع سقفها. ليس عبر قرارات معلنة، بل من خلال الضغط السياسي، وتوسيع تعريف الأهداف، ودفع واشنطن إلى عدم الاكتفاء بضربات محدودة. إنها محاولة دائمة لمنع الحرب من أن تتحول إلى مجرد جولة عابرة.

لكن هذا التباين يضع العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية أمام اختبار دقيق. فواشنطن تريد حربًا يمكن احتواؤها، بينما تريد تل أبيب حربًا تُنهي التهديد. الأولى تفكر في الكلفة والوقت والرأي العام، والثانية تفكر في الأمن والردع والذاكرة الاستراتيجية. وبين هذين المنطقين، تتشكل منطقة رمادية قد تكون أخطر من الحرب نفسها.

السيناريو الأكثر حساسية لا يتمثل في قرار واضح بالتصعيد، بل في سلسلة خطوات صغيرة تدفع الأمور إلى ما هو أبعد مما خُطط له. عملية نوعية هنا، ضربة أوسع هناك، معلومات استخباراتية تفرض ردًا، أو تقدير خاطئ يقود إلى تصعيد غير محسوب. عندها قد تجد الولايات المتحدة نفسها أمام خيارين كلاهما صعب: إما الاستمرار في حرب لم تكن تريدها بهذا العمق، أو التراجع مع ترك فراغ استراتيجي لا تستطيع إسرائيل قبوله.

وبالتالي، لا يبدو أن إسرائيل تريد حربًا مفتوحة بلا حدود، لكنها بالتأكيد لا تريد حربًا قصيرة تنتهي قبل تحقيق ما تعتبره أمنها الحقيقي. إنها تسعى إلى حرب “كافية”، كافية لتغيير المعادلة، لا مجرد إدارتها.

وهنا تكمن العقدة التي لم تُحل بعد، حين يُعلن السياسي النصر مبكرًا، بينما يرى الحليف أن المعركة لم تبدأ بعد، فإن الحرب لا تنتهي، بل تدخل مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث لا يكون الخلاف على الوسائل، بل على تعريف النهاية نفسها.

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

1/4/2026م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين من تجربتي الشخصية في مجال الكتابة حول الحركة القومية – الوطنية الكردية السورية، حيث تناولت مبكراً مسألة تشخيص أزمة الحركة وسبل حلها، والإحاطة بعواملها الذاتية والموضوعية، وأسبابها الداخلية والخارجية برؤية نقدية، شعرت بلامبالاة إلى حدود تجاهل معظم النخب المثقفة، بل صدر من البعض رفض قاطع لوجود أية أزمة، وأن الحركة بخير، وكل…

أليسا شابلوفسكايا النقل عن الفرنسية: إبراهيم محمود ” أليسا شابلوفسكايا: معهد باريس للدراسات السياسية (حرم لو هافر الجامعي)” ( يبدو أن قراءة هذا المقال صالحة لقرن قادم وأبعد كُرْدياً. المترجم ) جدول المحتويات 1-“تجنيد” السكان الكُرْد كأصل استراتيجي 2- الكُرْد كقوة موازنة للنفوذ الأرمني المتزايد 3-الكُرْد كآخر على هامش الإمبراطورية 4- خاتمة   رغم أن الاهتمام الروسي بالكرد كان عاملاً…

كفاح محمود في الطب، لا يُعد النزيف مرضًا بحد ذاته، لكنه من أخطر مضاعفات الأمراض والإصابات، فالإنسان قد يحتمل الألم، ويقاوم الحمى، ويتعايش مع كثير من العلل، لكنه لا يستطيع أن يعيش طويلًا إذا استمر بالنزف، والأخطر أن بعض أنواع النزيف تكون داخلية، لا تُرى بالعين، ولا يشعر بها المريض إلا بعد أن يفقد جزءًا كبيرًا من قوته، وهذا ما…

د. محمود عباس إن تعمّد جانب من الإعلام السوري والعربي، وفي مقدمته الجزيرة والعربية والحدث، تصغيرَ ما جرى في سري كانيه وعفرين، وما يتكرر من اعتداءات في مناطق أخرى من غربي كوردستان، مقابل تضخيم إسقاط شابين كورديين للعلم السوري وتحويله إلى «الجريمة الكبرى»، يكشف اختلالًا فاضحًا في المعايير. فالعلم يُفترض أن يكون رمزًا لجميع السوريين، لا راية لجماعة تتوهم أن…