الميليشيات: أذرعٌ طليقة ودولٌ رهينة!

كفاح محمود

  لم تعد أزمة الشرق الأوسط في صراع الدول وحده، بل في صعود أذرعٍ مسلحة صارت في غير مكانٍ أعلى صوتاً من الدولة، وأسرع فعلاً من القانون، وأكثر تأثيراً من المؤسسات، وهكذا لم يعد الوطن يُدار دائماً من عاصمته، بل كثيراً ما تُربك قراره شبكاتُ سلاحٍ وولاءاتٍ ومصالحَ عابرة للحدود، تتكلم باسم الوطنية، بينما تُضعف الدولة من داخلها، وتحوّلها إلى هيكلٍ مشغول بالخوف والعجز وردود الأفعال، فقد اكتشفت القوى الطامحة إلى النفوذ أن الطريق الأقل كلفة ليس الاحتلال المباشر ولا الحرب النظامية الشاملة، بل إنشاء أذرعٍ محلية تحمل السلاح، وتدخل المجتمع من أبوابه الأشد هشاشة: الفقر، والمظلومية، والهوية الجريحة، والفراغ السياسي، وانهيار الثقة بالدولة، ومن هناك تبدأ الحكاية: جماعةٌ ترفع شعار الحماية، ثم تتحول إلى قوةٍ موازية، ثم إلى سلطةٍ فوق السلطة، قبل أن تنتهي لاعباً يملك حق التعطيل والابتزاز وفرض الإيقاع على البلد كله.

  المعضلة أن هذه الأذرع لا تنمو في الفراغ، بل تزدهر كلما ضعفت الدولة، وتُبقي الدولة ضعيفة لكي تبقى هي قوية، فهي لا تعيش على الاستقرار، بل على التوتر، ولا تتغذى على بناء المؤسسات، بل على تعطيلها، ولا يربح خطابها إلا حين يشعر الناس بأن الخوف أقوى من القانون، لذلك نراها في أكثر من بلدٍ عربي لا تحرس الحدود بقدر ما تفتح الحدود للنفوذ، ولا تحمي السيادة بقدر ما تُعيد تعريفها على قياس الجهة التي تمولها أو تبرر وجودها أو تستثمر فيها.

  في العراق ولبنان واليمن وسوريا أمثلةٌ موجعة على هذا المسار، فحين يصبح السلاح شريكاً للدستور أو بديلاً عنه، تغدو الدولة رهينةً لتوازناتٍ لا تصنعها المؤسسات، بل تصنعها البنادق والتحالفات والرسائل المتبادلة فوق أرض المنهكين، وعندها لا تعود الموازنة أداة تنمية، بل غنيمة نفوذ، ولا يعود الأمن وظيفة دولة، بل جزرَ سيطرةٍ متنافسة، ولا تبقى السياسة إدارةً للمصالح العامة، بل فناً لتأجيل الانفجار الكبير.

  والأخطر أن هذه الأذرع لا تكتفي بخطف القرار، بل تُفسد معنى الوطنية نفسه، فهي تُلبس التبعية ثوب القضية، وتمنح الارتهان اسماً نبيلاً، وتحوّل الاعتراض على فوضى السلاح إلى تهمة، وبذلك يختلط عند الناس معنى المقاومة بمعنى السيطرة، ومعنى الحماية بمعنى الابتزاز، ومعنى الدولة بمعنى الواجهة الشكلية التي تُدار من خلفها المصالح الثقيلة، وحين تصل الأمور إلى هذا الحد، لا يعود السؤال: من يحكم؟ بل: من يملك حق منع الدولة من أن تحكم؟

  لهذا لم يعد إصلاح الشرق الأوسط ممكناً بمجرد تغيير الحكومات أو تدوير النخب أو توقيع التسويات المؤقتة، فالمشكلة أعمق من ذلك: هناك دولٌ فقدت احتكارها المشروع للقوة، وفقدت معه القدرة على صياغة قرارها السيادي بمعزلٍ عن سلاحٍ منفلت وولاءٍ مزدوج، وما لم يُستعد الاعتبار للدولة بوصفها المظلة الوحيدة للسلاح والقرار والشرعية، فإن الحديث عن الاستقرار سيبقى مجرد هدنةٍ بين جولتين.

  إن المنطقة لا تحتاج مزيداً من الأذرع، بل مزيداً من الدول، لا تحتاج وكلاء يرفعون الخرائط على فوهات البنادق، بل أنظمةً تحترم الحدود والسيادات والمصالح المشتركة، فحين تكون الأذرع طليقة، تصبح الدول رهينة، وحين تستعيد الدولة هيبتها، يسقط الوهم الأكبر: أن الفوضى يمكن أن تُنتج نفوذاً دائماً، أو أن السلاح الموازي يستطيع أن يبني وطناً.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

امين كلين ياسادة الافاضل : اليوم نتحدث عن قضية حساسة ومهمة وهي قضية نقل فلاحي الغمر الى الجزيرة السورية ( واطلق عليها الشوفينيون في الاونة الاخيرة الجزيرة العربية ) ، ثم مصادرة الاراضي من الفلاح الكردي واعطائها لفلاحي الغمر وذلك عام 1973(( خصصت القيادة القطرية 10ملايين ل .س . لنقل فلاحي الغمر الى الجزيرة حزيران 1973 )) طبعا عارضها البارتي…

نظام مير محمدي *   إذا أمعنا النظر في سلوك وخطاب أقطاب النظام الحاكم في إيران هذه الأيام، سنجد مفردة واحدة تتكرر أكثر من غيرها: “الشارع”. فمن الاستنفار الدائم للأجهزة الأمنية وقوات القمع لإبقاء البسيج في الميادين، وصولاً إلى صرخات الملالي عبر منابر صلاة الجمعة التي تشدد على ضرورة احتلال الشوارع بقواتهم، كل ذلك يعكس هلعاً عميقاً ومتجذراً. ولكن، لماذا…

صلاح بدرالدين هل كنا نحتاج لاثني عشر شهرا حتى نفهم ما حصل؟ هل اصبح الوقت بلا قيمة لهذه الدرجة؟ هل الوضع السوري الدقيق ما بعد سقوط الاستبداد يتحمل هذا العبث بالحالة الكردية السورية؟ هل ما يحتاجه الكرد اليوم إعادة انتاج المشهد الحزبي الفاشل بدلا من طيه بعد المراجعة النقدية؟ هل فعلا ان وحدة الكرد متوقفة على تلاقي مراكز حزبية كانت…

الأخبار الكوردستانية الكوادر التي فُرضت على مؤسسات وبلديات روج آفا من قبل قنديل لم تكن كوادر مؤهلة ولا تمتلك أي أساس إداري أو مهني. أغلبهم من كرد باكور، بلا شهادات، بلا خبرة، وبلا أي معرفة بإدارة مجتمع أو مؤسسات، سوى دورات أيديولوجية مغلقة تُدرَّس في كهوف قنديل، قائمة على تمجيد فكر أوجلان، وهو فكر منسوخ أصلاً من كتابات يالجين كوجوك….