هل ترسم تفاهمات 29 كانون الثاني والمرسوم 13 سقفًا نهائيًا للحقوق القومية الكردية في سوريا؟

شادي حاجي
تشهد الساحة السورية مرحلة انتقالية معقدة، تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية مع الاستحقاقات السياسية والدستورية. وفي هذا السياق، يبرز اتفاق 29 كانون الثاني 2026 بين السلطة الانتقالية في دمشق وقيادة “قسد”، إلى جانب المرسوم الرئاسي رقم 13، بوصفهما محطتين أساسيتين في إعادة صياغة العلاقة بين الدولة السورية والشعب الكردي. غير أن السؤال الجوهري يبقى:
هل تمثل هذه الخطوات إطارًا تأسيسيًا مفتوحًا، أم أنها تضع سقفًا نهائيًا لحل القضية الكردية العادلة في سوريا؟
من الناحية السياسية، يبدو أن اتفاق 29 كانون الثاني أقرب إلى كونه تسوية عملية ذات طابع أمني–إداري، هدفها الأساسي إعادة دمج مناطق الإدارة الذاتية ضمن بنية الدولة، وإنهاء الازدواجية في السلطة. فهو يركّز على قضايا السيطرة ودمج القوات وإعادة بسط سلطة المركز، دون أن يخوض بعمق في شكل النظام السياسي المستقبلي أو طبيعة اللامركزية الممكنة. وبذلك، يمكن اعتباره اتفاقًا مرحليًا يهدف إلى تثبيت الاستقرار أكثر من كونه عقدًا سياسيًا نهائيًا.
أما المرسوم الرئاسي رقم 13، فيحمل بُعدًا قانونيًا–حقوقيًا أكثر وضوحًا، إذ يعترف بالكرد مكوّنًا أصيلًا من الشعب السوري، ويقر بحقوق ثقافية ولغوية، إضافة إلى معالجة قضايا طال إهمالها مثل الجنسية. ومع ذلك، فإن هذا الاعتراف يبقى في إطار الحقوق الفردية والجماعية الثقافية، دون أن يرتقي إلى مستوى الاعتراف الدستوري بالشعب الكردي وحقوقه القومية المشروعة، أو منحهم وضعًا سياسيًا خاصًا ضمن بنية الدولة.
وتتجلى الفجوة الأساسية هنا بين ما تطمح إليه معظم الأحزاب والأطر السياسية الكردية في سوريا، وبين ما تقدمه النصوص الحالية. فالمطالب الكردية تتجاوز الاعتراف الثقافي لتشمل لامركزية سياسية حقيقية، وربما صيغًا من الحكم الذاتي، إلى جانب دور في إدارة الموارد وضمانات دستورية للتمثيل السياسي. في المقابل، تعكس كل من التفاهمات والمرسوم توجهًا نحو إعادة بناء الدولة المركزية، مع إدخال تحسينات على مستوى الحقوق الثقافية والمدنية.
وفي هذا السياق، يبرز غياب المجلس الوطني الكردي والوفد الكردي المفاوض المشترك عن اتفاق 29 كانون الثاني بوصفه مؤشرًا سياسيًا مهمًا، إذ لم يكونا طرفين مباشرين في التفاهم، ما حدّ من تمثيل القوى السياسية الكردية الفاعلة في صياغته، وأبقى الاتفاق محصورًا بين السلطة الانتقالية في دمشق وقوى الإدارة الذاتية المسيطرة ميدانيًا. هذا الغياب لا يعكس فقط توازنات القوة على الأرض، بل يطرح تساؤلات حول شمولية أي تسوية لا تضم مختلف القوى السياسية الكردية.
مع ذلك، فإن دور المجلس لم يُحسم بعد، فحقيقته لا تكمن في الاتفاقات الأمنية المرحلية، بل قد يكون في المرحلة الدستورية والسياسية القادمة، حيث يمكن أن يشكّل فاعلًا أساسيًا في الدفع نحو تثبيت الحقوق القومية المشروعة للشعب الكردي ضمن نصوص دستورية واضحة، خاصة فيما يتعلق باللامركزية والاعتراف السياسي، وذلك إذا استعدّ بشكل جيد وأحسن التصرف، وحاول أن يستنفر كل قواه السياسية والقانونية والثقافية والمجتمعية منذ الآن. وبذلك، فإن تأثيره يبدو مؤجلًا أكثر منه غائبًا بالكامل.
من منظور قانوني، لا يمكن اعتبار المرسوم 13 أو اتفاق 29 كانون الثاني بمثابة “سقف نهائي” للحقوق، إذ إن تحديد هذه الحقوق يفترض أن يتم ضمن عملية دستورية شاملة تشارك فيها مختلف المكونات السورية، وفي مقدمتها الشعب الكردي. غير أن الإشكالية تكمن في أن غياب نصوص صريحة حول اللامركزية وأشكالها الرئيسية أو الاعتراف القومي قد يؤدي عمليًا إلى تثبيت حد أدنى من الحقوق، يصعب تجاوزه لاحقًا دون توافقات سياسية جديدة.
في المحصلة، لا يمكن الجزم بأن هذه الخطوات تشكل نهاية المطاف، لكنها بلا شك ترسم ملامح السقف الممكن في اللحظة الراهنة. وبين هذا السقف والآفاق المفتوحة، يبقى العامل الحاسم هو طبيعة المرحلة المقبلة: هل ستتحول التفاهمات الحالية إلى مدخل لعملية دستورية شاملة، أم إلى إطار يعيد إنتاج المركزية بصيغة معدّلة؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ما إذا كانت حقوق الشعب الكردي في سوريا ستتطور نحو شراكة سياسية حقيقية، أم ستبقى ضمن حدود الاعتراف الثقافي دون ترجمة دستورية كاملة.
وإلى مستقبل أفضل

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

حاوره: عمر كوجري قال محمد إسماعيل سكرتير الحزب الديمقراطي الكوردستاني- سوريا، ورئيس المجلس الوطني الكوردي في سوريا إن فشل كونفرانس «وحدة الموقف والكلمة الكوردية» هو نتيجة تراكمات سياسية وتنظيمية عميقة. من أبرز هذه الأسباب غياب الإرادة السياسية الحقيقية وروح الشراكة لدى بعض الأطراف، حيث بقيت الحسابات الحزبية الضيقة متقدمة على المصلحة القومية العامة، فقد تمّ الدفع بما يسمّى…

اكرم حسين تشكل القضية الكردية في سوريا أحد أبرز التحديات السياسية والاجتماعية التي تواجه سوريا الحديثة، وهي قضية متجذرة في التاريخ وتعكس تعقيدات التركيبة الديمغرافية السورية. فالقضية الكردية ليست مسألة أقلية عرقية تبحث عن الاعتراف بهويتها ، بل هي قضية وطنية بامتياز تمس نسيج المجتمع السوري وتؤثر على مستقبل الدولة السورية ككل. إن فهم البعد الوطني لهذه القضية يتطلب تحليلا…

عدنان بدرالدين إذا كانت الحلقة الأولى قد تناولت إيران بوصفها مثالًا على أزمة لا تستطيع الحرب أن تمنحها خاتمة سياسية واضحة، فإن حالة كردستان الغربية تكشف الوجه الآخر لهذه الحروب: حين لا يُحسم الصراع بين القوى الكبرى، لا تبقى النتائج معلّقة في الفراغ، بل تُعاد كلفتها إلى الأطراف الأضعف. وفي سوريا، كان الكرد أحد أكثر هذه الأطراف تعرضًا لهذا النوع…

لوند حسين* لا يحتاج المُتابع للحالة السياسية الكُردية في كُردستان (روژآڤا/سوريا) إلى كثيرٍ من التدقيق كي يلحظ حجم التشرذم والتراجع الذي أصاب الحركة الحزبية الكُردية خلال السنوات الماضية؛ فالتكاثر المستمر في عدد الأحزاب لم يعد يُنظر إليه بوصفه دليلاً على حيوية سياسية أو تعددية ديمقراطية، بل بات يُجسّد حالة من العجز عن بناء مشروع سياسي موحّد وفعّال؛ حتى أنَّ العبارة…