في الخلفية الفكرية لـ «ديمقراطية الضرورة المُدارة» الحلقة الأولى: ماركس وآرندت

عدنان بدرالدين

لا تأتي فرضية «ديمقراطية الضرورة المُدارة» من فراغ، ولا تنتمي في الوقت نفسه إلى مرجعية واحدة مغلقة. فهي تتكوّن عند تقاطع أكثر من مسار فكري، يلتقي بعضها معها في نقاط حاسمة، بينما تفترق عنها في نقاط لا تقل أهمية. ومن هنا، قد يكون من المفيد، بعد الحلقات الأربع السابقة، أن نعود إلى بعض الخلفيات النظرية التي تساعد على توضيح موقع هذه الفرضية: من أين تبدأ، ومع من تتحاور، وأين تتوقف قبل أن تسلك طريقها الخاص.

في هذه الحلقة الأولى، يبدو الوقوف عند كارل ماركس وحنّة آرندت ضروريًا، لأن الأول يزعزع الثقة ببراءة الديمقراطية الشكلية، بينما تعيد الثانية الاعتبار إلى السياسة بوصفها فعلًا مشتركًا لا يجوز اختزاله في الإدارة أو في تدبير الضرورات. وبين هذين المنظورين، يبدأ أحد الخيوط الأساسية التي تتحرك داخل فرضية «ديمقراطية الضرورة المُدارة»: نقد الحياد من جهة، والدفاع عن السياسة من جهة أخرى.

ماركس: حين لا تكفي المساواة الشكلية

تكمن أهمية كارل ماركس في أنه كان من أوائل من كشفوا أن الديمقراطية الليبرالية لا تُفهم من خلال نصوصها القانونية وحدها، ولا من خلال ما تعلنه عن المساواة والحقوق والتمثيل، بل من خلال البنية الاجتماعية التي تعمل داخلها. فالنظام قد يساوي بين الأفراد في القانون، ويمنحهم حقوقًا سياسية متساوية، لكنه قد يظل قائمًا، في الوقت نفسه، على علاقات فعلية من التفاوت والهيمنة واللامساواة في الثروة والقدرة والتأثير.

بهذا المعنى، لا يكتفي ماركس بالنظر إلى الديمقراطية بوصفها مجموعة من الإجراءات، بل يسأل: ما الذي تخفيه هذه الإجراءات؟ وما نوع المجتمع الذي تعمل داخله؟ ومن يملك القدرة الفعلية على التأثير حين يُقال إن الجميع متساوون؟ فالمساواة القانونية، عنده، قد تكون حقيقية من حيث الشكل، لكنها تظل ناقصة أو مضللة إذا لم تُقرأ على ضوء البنية الاقتصادية والاجتماعية التي تحيط بها.

ولذلك، حين نتأمل مجتمعات تعلن التزامها الكامل بقيم الديمقراطية، بينما تبقى الأسئلة الكبرى المتعلقة بالملكية واللامساواة والعمل وموقع رأس المال خارج النزاع العمومي الحقيقي، فإننا نقترب من الدرس الماركسي الأساسي: أن الديمقراطية الشكلية قد تكشف أقل مما تخفي. فهي تتيح الصراع على الوجوه والإجراءات والتفاصيل، لكنها قد تترك أصل البنية الاجتماعية أقل تعرضًا للمساءلة.

ومن هنا، تلتقي فرضية «ديمقراطية الضرورة المُدارة» مع ماركس في نقطة جوهرية: رفض التعامل مع الديمقراطية بوصفها جهازًا محايدًا مكتفيًا بذاته. فهي، مثله، تشك في براءة المساواة الشكلية، وترى أن القانون والإجراء قد يحجبان أكثر مما يكشفان إذا عُزلا عن شروطهما الاجتماعية. كما تشاركه الوعي بأن ما يُقدَّم في صورة حياد عام قد يكون، في العمق، شكلًا من أشكال تنظيم الهيمنة داخل لغة قانونية ومؤسساتية تبدو فوق الصراع.

لكن هذا التقاطع لا يعني التطابق. فهذه الفرضية لا تتبنى الحتمية التاريخية التي تفترض أن تناقضات الرأسمالية ستقود، بالضرورة، إلى تجاوزها عبر مسار تاريخي واضح. وهي لا تفترض وجود فاعل اجتماعي موعود بالخلاص يحمل في موقعه البنيوي وعد التحرير النهائي. بل على العكس، أحد رهاناتها الأساسية هو الدفاع عن السياسة بوصفها مجالًا مفتوحًا للصراع من دون ضمانات، لا بوصفها محطة انتقالية على طريق خلاص تاريخي مكتوب سلفًا.

ولهذا يمكن القول إن هذه الفرضية تبدأ، مع ماركس، من نقد الحياد الشكلي، لكنها لا تتابعه إلى نهايته التاريخية. فهي تستفيد من زعزعته للثقة الساذجة بالديمقراطية القانونية، لكنها ترفض أن تجعل من هذا النقد معبرًا إلى يقين خلاصـي جديد.

آرندت: السياسة ليست إدارةً للضرورة

إذا كان ماركس قد علّمنا أن الديمقراطية قد تخفي بنية اجتماعية غير متكافئة، فإن حنّة آرندت تذكّرنا بشيء آخر لا يقل أهمية: أن السياسة ليست مجرد إدارة للمصالح أو تدبير للحاجات أو تنظيم للضرورات. فالسياسة، عندها، هي الفضاء الذي يظهر فيه البشر لبعضهم بعضًا بوصفهم ذواتًا قادرة على الفعل والكلام والمبادرة داخل عالم مشترك.

تكمن قوة آرندت في أنها تعيد الاعتبار إلى معنى السياسة نفسه. فهي لا تنظر إليها بوصفها مجرد جهاز لاتخاذ القرارات أو حلّ المشكلات، بل بوصفها شكلًا من أشكال الحرية. الحرية هنا لا تعني الانفلات الفردي، بل القدرة على الظهور والفعل والبدء داخل المجال العام، أي داخل فضاء لا يُختزل في الضرورات الاقتصادية أو في شروط البقاء اليومية.

ومن هنا، كان تحذيرها العميق من اختزال السياسة في إدارة الضرورة. فحين يتحول المجال السياسي إلى مجرد جهاز لتسيير الحاجات أو لضبط الأوضاع أو لتدبير الاستقرار، فإنه يفقد خصوصيته بوصفه مجالًا للفعل الحر، ويتحول الإنسان من فاعل سياسي إلى موضوع للإدارة.

وهذه النقطة تجعل آرندت قريبة جدًا من فرضية «ديمقراطية الضرورة المُدارة». فهذه الفرضية لا تقول فقط إن الديمقراطية المعاصرة فقدت بعض توازنها المؤسسي، بل تقول إن السياسة نفسها أُعيد تعريفها بحيث لم تعد مجالًا للنزاع حول البدائل، بل آلية لتدبير ما يُعرض بوصفه ضرورة. وهذا قريب، من حيث الجوهر، من تحذير آرندت من أن تتحول السياسة إلى مجرد وظيفة إدارية.

كما تمنحنا آرندت عنصرًا آخر شديد الأهمية، هو أن السياسة لا تعيش من الإجراءات وحدها، بل من وجود عالم مشترك يستطيع الناس أن يظهروا داخله بوصفهم فاعلين. وهذه الفكرة ترتبط مباشرة بما سُمّي في السلسلة الإنسان المعزول سياسيًا. ذلك أن تآكل المجال العام، أو تحوله إلى ساحة لإدارة الضرورات بدل أن يكون فضاءً للفعل والكلام، لا ينتج فقط مؤسسات أضعف، بل ينتج أيضًا بشرًا أقل قدرة على إدراك أنفسهم كفاعلين في الشأن المشترك.

أين تفترق الفرضية عن آرندت؟

مع ذلك، لا يمكن لهذه الفرضية أن تتبنى تصور آرندت كاملًا. فآرندت تميل إلى الفصل الحاد بين السياسة والاقتصاد، أو بين مجال الحرية ومجال الضرورة. وهذا الفصل، رغم قوته المفهومية، لا يكفي لفهم ما جرى في ظل النيوليبرالية. فالمشكلة اليوم ليست فقط أن الاقتصاد زاحم السياسة أو غزاها من الخارج، بل أن المنطق الاقتصادي أعاد تشكيل السياسة نفسها من الداخل.

أي أن النيوليبرالية لم تقل للسياسة: اخرجي من الاقتصاد، بل أدخلت لغتها إلى قلب السياسة: لغة الكفاءة، والاستدامة، والخبرة، والتكيّف، والاستقرار، والواقعية. ولهذا لا يكفي القول إن الضرورة غزت السياسة، لأن الأدق هو أن السياسة أُعيد تكوينها بحيث تتكلم هي نفسها بلغة الضرورة.

ومن هنا، تفترق فرضية «ديمقراطية الضرورة المُدارة» عن آرندت في نقطة مركزية: ليست القضية فقط أن السياسة اختُزلت في الإدارة، بل أن هذا الاختزال لم يعد يأتي من خارجها، بل من إعادة بناء السياسة نفسها بمنطق اقتصادي–إداري. فهي تأخذ من آرندت دفاعها عن السياسة، لكنها لا تتبنى الفصل الصارم الذي تقيمه بين السياسة والاقتصاد.

بين ماركس وآرندت: أين تبدأ هذه الفرضية؟

يمكن القول إن فرضية «ديمقراطية الضرورة المُدارة» تبدأ، نظريًا، في المسافة الواقعة بين ماركس وآرندت. فمن ماركس تأخذ الشك في براءة الديمقراطية الشكلية، والوعي بأن الحياد قد يخفي بنية اجتماعية غير متكافئة. ومن آرندت تأخذ الدفاع عن السياسة بوصفها فعلًا مشتركًا، ورفض اختزالها في إدارة الحاجات والضرورات.

لكنها لا تقف عند أي منهما. فهي لا تتبنى الوعد التاريخي بالخلاص عند ماركس، ولا الفصل الحاد بين السياسة والاقتصاد عند آرندت. بل تحاول أن تمسك بتحول أكثر تعقيدًا: كيف يمكن للديمقراطية أن تستمر شكليًا، وأن تُبقي مؤسساتها ولغتها العامة قائمة، بينما يُعاد تعريفها من الداخل بحيث تصبح أقل صلة بالصراع حول البدائل، وأكثر التصاقًا بإدارة ما يُعرض بوصفه ضرورة؟

وهنا بالتحديد يظهر معنى «ديمقراطية الضرورة المُدارة»: ليس بوصفها ديمقراطية ناقصة فحسب، ولا بوصفها قناعًا فارغًا فقط، بل بوصفها صيغة تاريخية جديدة يجري فيها تنظيم السياسة بحيث لا تختفي، ولكنها تعمل ضمن حدود مسبقة، وتصبح وظيفتها الأساسية إدارة الممكن لا فتحه.

خاتمة الحلقة الأولى

إذا كان ماركس قد علّمنا أن الديمقراطية الشكلية قد تحجب علاقات الهيمنة، وإذا كانت آرندت قد ذكّرتنا بأن السياسة تفسد حين تُختزل في إدارة الضرورة، فإن فرضية «ديمقراطية الضرورة المُدارة» تبدأ من تقاطع هذين الدرسين معًا: الشك في الحياد من جهة، والدفاع عن السياسة من جهة أخرى.

غير أن التحدي الذي تواجهه هذه الفرضية لا يقف عند حدود هذا التقاطع. فالمسألة لا تتعلق فقط بما تخفيه الديمقراطية، ولا فقط بما تفقده السياسة، بل أيضًا بما ينتج عن هذا التحول كله في عالم حديث لم يعد يعد بالخلاص، ويشك في البراءة، ويتكلم أكثر فأكثر بلغة الواقعية والخبرة والضرورة.

ومن هنا، سيكون الانتقال في الحلقة الثانية إلى ماكس فيبر وفريدريك نيتشه ضروريًا، لأنهما يضيفان عنصرين حاسمين: وعي السياسة بأنها بلا ضمانات، والشك في الحياد بوصفه قناعًا للقوة.

يتبع

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

كفاح محمود لم تعد أزمة الشرق الأوسط في صراع الدول وحده، بل في صعود أذرعٍ مسلحة صارت في غير مكانٍ أعلى صوتاً من الدولة، وأسرع فعلاً من القانون، وأكثر تأثيراً من المؤسسات، وهكذا لم يعد الوطن يُدار دائماً من عاصمته، بل كثيراً ما تُربك قراره شبكاتُ سلاحٍ وولاءاتٍ ومصالحَ عابرة للحدود، تتكلم باسم الوطنية، بينما تُضعف الدولة من داخلها، وتحوّلها…

شادي حاجي تشهد الساحة السورية مرحلة انتقالية معقدة، تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية مع الاستحقاقات السياسية والدستورية. وفي هذا السياق، يبرز اتفاق 29 كانون الثاني 2026 بين السلطة الانتقالية في دمشق وقيادة “قسد”، إلى جانب المرسوم الرئاسي رقم 13، بوصفهما محطتين أساسيتين في إعادة صياغة العلاقة بين الدولة السورية والشعب الكردي. غير أن السؤال الجوهري يبقى: هل تمثل هذه الخطوات إطارًا…

صديق ملا تتجلى مشيئة الله بأسمى معانيها وأجَّلِ صورها في أنه خالق السموات والأرض وما بينهما ، وخلق الإنسان من ذكر ٍ وأنثى وعلى شكل أقوام ٍ متعددة وشعوب ٍ مختلفة ً ومن بينها الشعب الكوردي . نعم لقد خلق الله الشعوب كما ورد في القرآن الكريم ليتعارفوا أي بمعنى يتفقوا فيما بينهم لا ليتقاتلوا أو ليتنافروا ولا ليستمر ظلم…

خالد حسو تمرّ المنطقة اليوم بمرحلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع المصالح الإقليمية والدولية بشكل غير مسبوق، وتبرز تركيا كواحدة من أكثر الدول قلقًا من مآلات هذا المشهد المضطرب. هذا القلق لا ينبع فقط من تطورات خارجية مرتبطة بإيران أو التصعيد الدولي، بل يرتبط بشكل مباشر ببنية الدولة التركية نفسها وتركيبتها الداخلية المعقدة . تركيا، التي قامت على تاريخ مثقل بالصراعات…