حرب إيران: كيف تعيد رسم الأسواق العالمية؟

خوشناف سليمان

 

تُظهر التطورات المرتبطة بالحرب الإيرانية الجارية أنها لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل أصبحت عاملاً حاسماً في تشكيل ملامح الاقتصاد العالمي، حيث تتجلى آثارها بوضوح في الأسواق الدولية. ورغم غموض وتقلب الأحداث الميدانية، تكشف ردود فعل الأسواق المالية، ولا سيما أسواق الطاقة، عن حجم القلق الذي يخيّم على الاقتصاد العالمي. فقد تجاوزت أسعار النفط حاجز مئة دولار للبرميل، في مؤشر واضح على تحول جذري في توازنات العرض والطلب، وعلى الدور المتزايد للمخاطر الجيوسياسية في تحديد أسعار الطاقة عالميًا.

وتكمن خطورة هذه التطورات في وقوعها ضمن منطقة جغرافية شديدة الحساسية في منظومة الطاقة العالمية، إذ تمر نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز عبر الممرات البحرية في الخليج، وعلى رأسها مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية المنقولة بحراً. وأي اضطراب في هذا الشريان الحيوي ينعكس فوراً على الأسواق العالمية، ليس فقط بسبب الكميات الفعلية التي قد تتعطل، بل أيضاً نتيجة حالة عدم اليقين التي تهيمن على الدول المستوردة للطاقة والشركات الصناعية الكبرى . ومع تصاعد احتمالات انقطاع الإمدادات، تعيد الأسواق تسعير المخاطر، فتتجه أسعار النفط نحو الارتفاع، وتزداد تكاليف النقل والتأمين والشحن، قبل أن تنتقل هذه الزيادات تدريجياً إلى مختلف القطاعات الاقتصادية.

وفي هذا السياق، لم يقتصر التأثير على سوق النفط، بل امتد إلى أسواق المواد الخام والأسمدة والمنتجات الغذائية، إذ تمثل الطاقة عنصراً محورياً في إنتاج معظم السلع، من الصناعة الثقيلة إلى الزراعة والنقل والخدمات اللوجستية. ومع ارتفاع تكلفة الطاقة، ترتفع تلقائياً كلفة الإنتاج، ما يفضي في النهاية إلى موجة تضخمية جديدة يشعر بها المستهلك في أسعار الغذاء والسلع اليومية، وتشير تقديرات مؤسسات مالية دولية إلى أن كل زيادة بنحو 10 دولارات في سعر النفط قد ترفع معدل التضخم العالمي بنحو 0.2 إلى 0.3 نقطة مئوية، وهو ما يجعل الحروب في مناطق الطاقة ذات انعكاسات تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة.
وبالتوازي مع هذه التطورات، تتحرك الأسواق العالمية تبعاً للوقائع الميدانية والتصريحات السياسية معاً، إذ تصبح مواقف قادة الدول الكبرى عاملاً حاسماً في توجيهها؛ فتوقعات نهاية الحرب أو توسعها قد تدفع الأسعار صعوداً أو هبوطاً سريعاً. وتعكس هذه الديناميكية الطبيعة النفسية للأسواق المالية، التي تسبق الواقع الاقتصادي وتسعى إلى استشراف ما قد تحمله الأشهر أو السنوات المقبلة. وفي هذا السياق، وفي عالم لم تعد فيه القرارات الكبرى تُبنى على الاقتصاد بقدر ما تُوجه باعتبارات سياسية وحسابات عسكرية، يغدو التعويل على التوقعات هشاً؛ فهي تشيخ أسرع مما تُطبع. ومع تصاعد عدم اليقين وتنامي المخاطر، تفقد هذه التنبؤات قيمتها بوتيرة متسارعة. وعلى المدى البعيد، قد تقود هذه الحرب إلى مرحلة تتسم بتباطؤ النمو واستمرار الضغوط التضخمية، نتيجة ارتفاع الأسعار وانعكاساته على القدرة الشرائية وتكاليف الإنتاج. ويعزز ذلك من حذر البنوك المركزية، ما يجعل تحقيق التوازن بين كبح التضخم ودعم النمو أكثر تعقيداً، في مشهد يستحضر صدمات الطاقة في سبعينيات القرن الماضي، لكن ضمن سياق اقتصادي عالمي أكثر ترابطاً، يضاعف حدة التأثيرات ويجعل معالجتها أكثر صعوبة في ظل تشابك الأسواق وتسارع انتقال الأزمات.
أما بالنسبة لأوروبا، فتبدو التداعيات أكثر حساسية، نظراً لاعتماد اقتصاداتها الكبير على استيراد الطاقة، إذ تعتمد دول الاتحاد الأوروبي على الواردات لتغطية نحو 60% من إجمالي احتياجاتها من الطاقة، وكثافة استهلاك صناعاتها للغاز والنفط. ويضع استمرار ارتفاع الأسعار الصناعات الأوروبية أمام تحديات تنافسية مقارنة بمناطق تمتلك موارد طاقة أوفر أو تكاليف إنتاج أقل، ما قد يدفع بعض الشركات إلى إعادة النظر في مواقع الإنتاج أو تقليص الاستثمارات، مهدداً بتباطؤ صناعي أو بتحول تدريجي في الخريطة الصناعية العالمية. وفي المقابل، قد تسرّع الأزمة من استراتيجيات التحول الطاقي في القارة، عبر توسيع الاعتماد على الطاقة المتجددة، وتعزيز البنية التحتية للغاز الطبيعي المسال، وزيادة الاستثمارات في الطاقة النووية. وبذلك، قد تشكل هذه الحرب نقطة تحول في سياسات الطاقة الأوروبية، على غرار أزمات سابقة قادت إلى تغييرات هيكلية في الاقتصاد العالمي.
وعليه، يبدو أن الحرب الإيرانية قد تعيد رسم موازين القوى في المنطقة وتعيد تشكيل خريطة الاقتصاد العالمي وتوازنات الأسواق. ومع استمرار حالة عدم اليقين، يمكن تصور ثلاثة مسارات محتملة للأسواق خلال الفترة المقبلة. فإذا اتسع نطاق الصراع وامتد إلى الممرات البحرية أو منشآت الطاقة، قد يواجه العالم صدمة جديدة في أسعار النفط والغاز تقود إلى موجة تضخمية وتباطؤ اقتصادي أوسع. أما إذا بقيت المواجهة ضمن نطاق محدود دون تعطل فعلي للإمدادات، فقد تظل الأسواق متقلبة مع تكيف تدريجي مع المخاطر الجيوسياسية. وفي المقابل، قد تقود التهدئة السياسية أو التسويات الإقليمية إلى تصحيح في أسعار الطاقة وعودة الاستقرار النسبي للاقتصاد العالمي. وفي جميع الأحوال، لم تعد الطاقة مجرد سلعة، بل عامل استراتيجي تحكمه توازنات السياسة والأمن.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أحمد بلال يثير شعار «أخوة الشعوب» الكثير من التساؤلات، خاصة عندما يترافق مع تصريحات تؤكد أن عصر الدولة القومية قد ولى. فعندما يصرّح قياديون في منظومة KCK، ومن بينهم آلدار خليل، بأن عصر الدولة القومية أصبح من الماضي، يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن الحديث عن أخوة الشعوب إذا كنا قد تجاوزنا القوميات التي تُعرّف هذه الشعوب وتمنحها خصوصيتها؟ من…

Prof. Dr. Sarbast Nabi القطيع الذي اعتاد على التبعية وتغييب عقله واجترار الشعير الايديولوجي محال عليه أن يفهم ما تقوله عزيزي.. لن نهاب صراخ الجهلة وزوابع تهديدهم ووعيدهم لأننا لم نخشى يوماً مرشدي معلميهم أمثال الأسد وأردوغان، دعهم في غيهم يعمهون. سنواصل حتى اخر نفس في صدورنا وآخر ومضة نقد في عقولنا. لن يردعونا، دماء أبناء وبنات شعبنا…

إبراهيم اليوسف أعلنت أسرة الشخصية الاجتماعية عثمان بهلوي – عثمان عثمان – مع الدقائق الأولى من صباح اليوم، أن قلب عميدها. أحد أوائل المحامين الكرد في- قامشلي- توقف عن النبض، بعد تدهور وضعه الصحي- تدريجياً- خلال الأشهر الماضية. وكان الأطباء السويديون في استوكهولم، حيث يقيم منذ حوالي عشرين سنة، قد أعلنوا يأسهم من حالته، فعاد إلى البيت ليتلقى الرعاية تحت…

لوند حسين* منذُ أن تعرضت كُردستان للتقسيم بين الإمبراطوريتين العثمانية والفارسية، ثم أُلحقت أجزاؤها بالدول التي نشأت لاحقاً في المنطقة وفقَ اتفاقيات سايكس-بيكو، دخل الشعب الكُردي مرحلة طويلة من الحرمان من حقوقِهِ القومية والسياسية والثقافية؛ وعلى امتداد أكثر من قرن، واجه الكُرد في مختلف أجزاء كُردستان سياسات مُتباينة في أدواتها، لكنها تشابهت في كثير من الأحيان في إنكار الهوية الكُردية،…