لماذا يدفن ترامب دور الخارجية بتوماس باراك؟

د. محمود عباس

لم يكن التباين بين تصريح وزارة الخارجية الأمريكية حول انتهاء لقب توماس باراك كمبعوث خاص إلى سوريا، وبين إبقائه في موقع قيادي أوسع يشمل سوريا والعراق، مجرد ارتباك إداري أو تناقض لفظي في لغة واشنطن. بل بدا وكأنه يكشف عن لحظة أكثر عمقًا في إدارة ترامب للملفات الدولية الحساسة؛ لحظة لم تعد فيها وزارة الخارجية، حتى بوجود وزيرها، مركز القرار الحاسم، بل تحولت إلى واجهة تفسيرية لقرارات تُصنع في البيت الأبيض، وتُدار عبر مندوبين شخصيين يتحركون باسم الرئيس مباشرة، ووفق حساباته، لا وفق تقاليد الدبلوماسية المؤسسية.

في الظاهر، كان تصريح ماركو روبيو يوحي بأن مهمة باراك السورية قد انتهت، أو أن لقبه السابق لم يعد قائمًا. غير أن الجملة الأهم في التصريح لم تكن نهاية اللقب، بل التأكيد على أن باراك سيواصل لعب دور قيادي في سوريا والعراق. هنا يبرز السؤال الأشد دلالة، لماذا يُدفن اللقب القديم ولا تُدفن المهمة؟ ولماذا تُسحب الصفة المرتبطة بسوريا وحدها، ثم تُفتح أمام الرجل ساحة أوسع تمتد إلى العراق، حيث تتشابك ملفات إيران، والحشد الشعبي، والفصائل المسلحة، والإقليم الفيدرالي الكوردستاني، والنفوذ التركي، والأمن الإسرائيلي؟

هذا التحول لا يمكن عزله عن التوتر العميق بين المقاربتين الإسرائيلية والتركية في المنطقة. فإسرائيل تنظر إلى العراق من زاوية التمدد الإيراني، وشبكات الحشد الشعبي، والفصائل الولائية التي تحوّلت إلى أذرع عسكرية وسياسية لطهران على حدود المجال الحيوي الأمريكي والإسرائيلي. أما تركيا فتنظر إلى العراق من زاوية أخرى، عنوانها الأبرز تقليص الدور الكوردي، ومحاصرة الإقليم الفيدرالي الكوردستاني، ومنع أي توازن كوردي قد ينعكس على غربي كوردستان أو على كوردستان تركيا. وبين هاتين المقاربتين، يبدو أن واشنطن تحاول، عبر باراك، إدارة مساحة مشتركة قلقة، مواجهة النفوذ الإيراني بما يرضي إسرائيل، وضبط الورقة الكوردية بما لا يصطدم مباشرة بحسابات تركيا.

ومن هنا يمكن فهم نقل باراك من إطار سوريا ولبنان، أو من المهمة السورية الضيقة، إلى إطار سوريا والعراق. فلبنان كان يعني، في جانب كبير منه، حزب الله والمعادلة الإسرائيلية المباشرة. أما العراق فيعني شيئًا أوسع، إيران، الحشد، الفصائل المسلحة، مستقبل الإقليم الكوردستاني، حدود سوريا الشرقية، طريق طهران ـ بغداد ـ دمشق ـ بيروت، واحتمالات إعادة تشكيل الخريطة الأمنية إذا عاد التصعيد مع إيران إلى مستوى الحرب المفتوحة أو التغيير الجذري في بنية النظام الإيراني.

ولذلك لا يبدو أن المسألة مجرد إعادة توزيع ملفات، بل إعادة تعريف لموقع باراك نفسه داخل منظومة ترامب. فقد اعتمد ترامب، في أكثر من ملف، على مندوبين مباشرين يتجاوزون بيروقراطية الخارجية التقليدية أو يجاورونها. في الملف الفلسطيني والإيراني والخليجي برز اسما ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. وفي ملف روسيا وأوكرانيا ظهر اسم الجنرال كيث كيلوغ، قبل أن تتداخل أدوار أخرى في قنوات التفاوض. واليوم يبدو أن توماس باراك يُدفع إلى موقع مشابه في ملف سوريا والعراق، لا بوصفه موظفًا دبلوماسيًا عاديًا، بل بوصفه رجل ثقة يتحرك في مساحة رمادية بين السياسة، الأمن، المصالح الاقتصادية، والعلاقات الشخصية.

هذا النمط يعكس إحدى سمات إدارة ترامب: تفضيل الدبلوماسية الشخصية على الدبلوماسية المؤسسية، وتفضيل المندوبين المرتبطين مباشرة بالرئيس على المسارات التقليدية التي تديرها وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي. فالوزير يعلن، يبرر، ويغطي سياسيًا؛ أما القرار الفعلي فيُدار غالبًا عبر مبعوثين خاصين يملكون مرونة أكبر، ويتحركون خارج اللغة الرسمية المقيدة. وهذا ما يجعل تصريح روبيو أقرب إلى تغليف دبلوماسي لقرار رئاسي أوسع، لا إلى إنهاء حقيقي لدور باراك.

ولا ينبغي، في هذا السياق، أن تُقرأ هذه المقاربة بوصفها الاستراتيجية الأمريكية الإمبراطورية بكل مؤسساتها وتياراتها، أو كأن واشنطن تتحدث بصوت واحد وتتحرك بإرادة واحدة. فالأدق أنها تعبّر، في معظمها، عن خط إدارة ترامب وتحالفاتها داخل ما يمكن تسميته بالدولة العميقة الأمريكية العصرية، المستندة بدورها إلى أعمق أجنحة القوة الكلاسيكية، ولا سيما شبكات السلاح، والنفط، والطاقة، والمجمعات الأمنية والمالية. فترامب لم يكن خارج الدولة العميقة كليًا، كما يروّج بعض أنصاره، ولم يكن نسخة مطيعة منها كما يريد خصومه تصويره، بل مثّل صيغة هجينة؛ صدامية مع الحزب الديمقراطي وبعض الجمهوريين التقليديين، ومتحالفة في الوقت ذاته مع أكثر مراكز القوة صلابةً حين يتعلّق الأمر بإسرائيل، وإيران، والخليج، وخرائط النفوذ في الشرق الأوسط. ومن هنا يمكن فهم اعتماده على المندوبين الشخصيين بوصفه محاولة لإدارة الملفات الكبرى من فوق البيروقراطية التقليدية، عبر رجال ثقة يتحركون باسم الرئيس مباشرة، كما ظهر في ملفات فلسطين، وإيران، والخليج، وروسيا وأوكرانيا، وكما يبدو الآن في توسيع مهمة توماس باراك نحو سوريا والعراق. وبهذا المعنى، فإن المسألة لا تعكس إجماعًا أمريكيًا شاملًا، بل خطًا داخل السلطة الأمريكية الراهنة، يريد دبلوماسية أسرع، أكثر مباشرة وصفقاتية، في مواجهة اعتراضات الديمقراطيين وبعض الجمهوريين التقليديين على هذا الأسلوب وعلى ما قد يخلقه من اختلال في توازنات القرار الأمريكي.

غير أن الأهم في هذه الصيغة الجديدة أنها تفتح الباب أمام احتمالات أشد تعقيدًا. فإذا عاد الصراع مع إيران إلى مستوى المواجهة المباشرة، أو إذا عاد إلى الطاولة خيار تفكيك نظام ولاية الفقيه كما جرى سابقًا مع نظام صدام حسين، فإن الورقة الكوردية قد تعود إلى الواجهة، ليس في العراق وحده، بل في شرق كوردستان أيضًا. وقد تجد واشنطن، كما وجدت في محطات تاريخية سابقة، أن الكورد يشكلون إحدى القوى القادرة على إرباك الداخل الإيراني، أو المشاركة في إعادة صياغة التوازنات على حدود إيران الغربية، إلى جانب قوى قومية ومذهبية وسياسية أخرى داخل إيران.

ولعلّ ما يزيد هذه القراءة حساسية أن ترامب، حين كرّر اتهامه لبعض القوى الكوردية بالاحتفاظ بسلاح أمريكي قيل إنه أُرسل إلى المعارضة أو المحتجين الإيرانيين، لم يكن يطلق عبارة عابرة بقدر ما كان، ربما، يهيّئ الرأي العام لاحتمال أوسع: استخدام الورقة الكوردية في أي خطة برية لإضعاف نظام ولاية الفقيه أو تغييره. فمثل هذه التصريحات، حتى لو نفاها الكورد، تكشف أن العقل الترامبي كان يرى في الجغرافيا الكوردية ومقاتليها مدخلًا محتملًا لإرباك الداخل الإيراني، لا مجرد تفصيل هامشي في صراع واشنطن مع طهران.

لكن هذا الاحتمال يحمل في داخله مفارقة خطيرة. فالقوى نفسها التي قد تحتاج إلى الكورد في مواجهة إيران، قد تعمل في الوقت ذاته على تحجيم الكورد في العراق وسوريا إرضاءً لتركيا أو منعًا لولادة قوة كوردية عابرة للحدود. وهنا تكمن مأساة السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط: تستخدم الورقة الكوردية عندما تحتاج إلى إسقاط عدو أو إضعاف خصم، ثم تعود إلى ضبطها أو تجميدها عندما تصطدم بحسابات تركيا أو توازنات الدولة العراقية أو مصالح إسرائيل الآنية.

لذلك، فإن تعيين باراك أو توسيع مهمته لا ينبغي قراءته كخبر إداري، بل كإشارة إلى أن سوريا والعراق عادا إلى ملف واحد في العقل الاستراتيجي الأمريكي. فحدود سايكس ـ بيكو لم تعد قادرة على فصل الملفات كما كانت تفعل الخرائط الرسمية. ما يجري في دمشق ينعكس على بغداد، وما يتحرك في أربيل يلامس قامشلو، وما تقرره طهران يصل إلى بيروت عبر العراق وسوريا، وما تريده تركيا في الموصل وحلب وعفرين لا ينفصل عن حساباتها في واشنطن.

بهذا المعنى، لا يكشف ملف توماس باراك عن تناقض أمريكي عابر، بل عن صراع داخل هندسة القرار الأمريكي ذاته: بين وزارة خارجية تحاول الحفاظ على شكل المؤسسات، ورئيس يفضّل رجال الثقة؛ بين إسرائيل التي تريد كسر الذراع الإيرانية في العراق وسوريا ولبنان، وتركيا التي تريد منع أي صعود كوردي؛ وبين كورد قد يُطلب منهم لعب دور في لحظة المواجهة، ثم يُدفعون ثمن التوازنات بعد انتهاء الحاجة إليهم.

ومن هنا تبرز ضرورة ألا تنخدع القوى الكوردية ببريق أي تحرك أمريكي جديد ما لم يكن مقرونًا بضمانات سياسية مكتوبة، لا بوعود شفهية ولا برسائل مرحلية. فالمرحلة المقبلة، إذا صحت مؤشرات هذا التوسيع في مهمة باراك، لن تكون مرحلة دبلوماسية عادية، بل مرحلة إعادة ترتيب لمراكز النفوذ في سوريا والعراق، وربما في إيران أيضًا. وفي مثل هذه المراحل، لا تنجو الشعوب الصغيرة بكثرة التمنيات، بل بوضوح المشروع، ووحدة الموقف، وامتلاك القدرة على تحويل الحاجة الدولية إليها إلى اعتراف سياسي دائم لا إلى استخدام مؤقت.

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

31/5/2026م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أحمد بلال يثير شعار «أخوة الشعوب» الكثير من التساؤلات، خاصة عندما يترافق مع تصريحات تؤكد أن عصر الدولة القومية قد ولى. فعندما يصرّح قياديون في منظومة KCK، ومن بينهم آلدار خليل، بأن عصر الدولة القومية أصبح من الماضي، يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن الحديث عن أخوة الشعوب إذا كنا قد تجاوزنا القوميات التي تُعرّف هذه الشعوب وتمنحها خصوصيتها؟ من…

Prof. Dr. Sarbast Nabi القطيع الذي اعتاد على التبعية وتغييب عقله واجترار الشعير الايديولوجي محال عليه أن يفهم ما تقوله عزيزي.. لن نهاب صراخ الجهلة وزوابع تهديدهم ووعيدهم لأننا لم نخشى يوماً مرشدي معلميهم أمثال الأسد وأردوغان، دعهم في غيهم يعمهون. سنواصل حتى اخر نفس في صدورنا وآخر ومضة نقد في عقولنا. لن يردعونا، دماء أبناء وبنات شعبنا…

إبراهيم اليوسف أعلنت أسرة الشخصية الاجتماعية عثمان بهلوي – عثمان عثمان – مع الدقائق الأولى من صباح اليوم، أن قلب عميدها. أحد أوائل المحامين الكرد في- قامشلي- توقف عن النبض، بعد تدهور وضعه الصحي- تدريجياً- خلال الأشهر الماضية. وكان الأطباء السويديون في استوكهولم، حيث يقيم منذ حوالي عشرين سنة، قد أعلنوا يأسهم من حالته، فعاد إلى البيت ليتلقى الرعاية تحت…

لوند حسين* منذُ أن تعرضت كُردستان للتقسيم بين الإمبراطوريتين العثمانية والفارسية، ثم أُلحقت أجزاؤها بالدول التي نشأت لاحقاً في المنطقة وفقَ اتفاقيات سايكس-بيكو، دخل الشعب الكُردي مرحلة طويلة من الحرمان من حقوقِهِ القومية والسياسية والثقافية؛ وعلى امتداد أكثر من قرن، واجه الكُرد في مختلف أجزاء كُردستان سياسات مُتباينة في أدواتها، لكنها تشابهت في كثير من الأحيان في إنكار الهوية الكُردية،…