أوجلان خارج الإطار الكردي: من زعيم قضية إلى رجل دولة يبحث عن إنقاذ الجمهورية

عبدالجبار شاهين

لم تعد قراءة رسائل عبد الله أوجلان، كما نُقلت في بيان حزب DEM الأخير، ممكنة ضمن القالب التقليدي الذي اعتاد الرأي العام التركي، بل وحتى الكردي، على استخدامه منذ عقود، أي بوصفها رسائل “زعيم حركة كردية” يخاطب دولته من موقع الخصومة التاريخية، لأن ما يظهر بوضوح – لمن يقرأ النص كاملاً دون انتقاء – هو انتقال أوجلان من خطاب الهوية والصراع إلى خطاب الدولة والبنية والنظام، ومن لغة الحقوق القومية إلى لغة الاستقرار السياسي والديمقراطية الشاملة ووحدة الأرض.

منذ الأسطر الأولى، يحرص أوجلان على إخراج القضية من ضيق “المسألة الكردية” إلى أفق إقليمي ودولي أوسع، لا بهدف التهويل، بل لوضع الدولة التركية أمام حقيقة مفادها أن الجمود الداخلي لم يعد خيارًا، وأن الشرق الأوسط يُعاد تشكيله على وقع الحروب والاصطفافات الكبرى، وأن الدول التي لا تُغلق ملفاتها الداخلية ديمقراطيًا تُجبر لاحقاً على إغلاقها بالقوة أو عبر تدخلات خارجية، وهي رسالة لا تُقال بلغة المعارض، بل بلغة رجل دولة يحذر مؤسسات بلاده من كلفة التأجيل.

اللافت هنا أن أوجلان لا يتحدث عن “حق تقرير المصير”، ولا عن “الحكم الذاتي”، ولا عن “الفيدرالية”، بل يتحدث عن الأناضول وبلاد ما بين النهرين بوصفهما فضاءً تاريخياً واحداً، وعن أمن تركيا باعتباره مرتبطًا عضوياً باستقرار الشرق الأوسط، مستحضراً معاهدة قادش لا كرمز كردي، بل كمرجعية تاريخية للسلام الإقليمي، في محاولة واضحة لإعادة تأطير الحل ضمن الذاكرة السياسية للدولة نفسها، لا في مواجهة معها.

وعندما يكرر – عمداً لا سهواً – عبارة “ليست لدينا مشكلة مع الجمهورية، المشكلة أن الجمهورية ليست ديمقراطية”، فهو لا يناور لغوياً، بل يقوم بأخطر عملية تفكيك سياسي هادئة يمكن تخيلها: نزع الصراع من كونه صراعاً على الوجود أو السيادة، وإعادته إلى كونه صراعاً على نموذج الحكم، أي إنه يضع نفسه، للمرة الأولى بوضوح، داخل معسكر “إنقاذ الجمهورية” لا معسكر تحديها، معتبراً أن الديمقراطية ليست تهديداً للدولة، بل شرط بقائها وتضاعف قوتها.

الأهم من ذلك، وربما الأكثر حساسية، هو إعلانه الصريح انتهاء مرحلة الكفاح المسلح، ليس بوصفه تكتيكاً مرحلياً أو تنازلاً مشروطاً، بل باعتباره إغلاقاً نهائياً  لزمن كامل، مع تحميل الدولة – لا الحركة – مسؤولية إدارة الانتقال، وهو ما يعني عملياً أن أوجلان لم يعد يتحدث بلسان تنظيم أو شارع غاضب، بل بلسان رجل يدرك أن العنف، في هذه المرحلة الإقليمية والدولية، لم يعد ينتج سوى مزيد من التفكك، وأن السياسة وحدها هي المجال الممكن لإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة ومواطنيها الكرد.

وفي هذا السياق، يصبح حزب DEM ليس حزباً كردياً بالمعنى الضيق، بل أداة مدنية لإدارة هذا الانتقال الخطير، وهو ما يفسر خوف أوجلان العميق من فشل الحزب، لأن فشله لا يعني خسارة مقاعد أو تراجع شعبية، بل يعني عملياً انهيار آخر وسيط سياسي قبل عودة الملف إلى أيدي الأجهزة الأمنية، وهو السيناريو الذي يحذر منه أوجلان بهدوء قاتل، مدركاً أن الدولة إذا استنتجت أن “السياسة لا تنجح”، فإنها ستغلق الباب لعقود أخرى.

ما يقوله أوجلان، بوضوح لا يحتمل التأويل، هو أنه لم يعد يعمل “ككردي” يسعى إلى انتزاع مكاسب لقومه من دولة معادية، بل كرجل دولة تركية غير رسمي، يحاول – من موقعه المعقد – دفع الجمهورية نحو إصلاح نفسها قبل أن تُفرض عليها التحولات من الخارج، واضعاً وحدة الأراضي التركية خطاً أحمراً غير قابل للنقاش، ومقدماً الديمقراطية لا كتنازل للأقليات، بل كآلية إنقاذ للدولة نفسها.

بهذا المعنى، فإن قراءة أوجلان اليوم بوصفه “زعيم القضية الكردية” فقط، هي قراءة متأخرة، وربما مريحة لمن يريد تجاهل عمق التحول، لأن الرجل، سواء اتُّفق معه أم لا، يعرض على الدولة التركية صفقة تاريخية واضحة: إغلاقاً نهائياً للقضية الكردية داخل تركيا، مقابل جمهورية ديمقراطية تعترف بتعدد مجتمعها دون أن تمس وحدتها أو سيادتها، وهي صفقة لا تشبه خطاب الحركات الانفصالية، بل تشبه خطاب رجال الدول في لحظات التحول الكبرى.

والسؤال الحقيقي الذي تطرحه هذه الرسائل، ليس ما إذا كان أوجلان صادقاً أم لا، بل ما إذا كانت الدولة التركية مستعدة لأن ترى فيه، ولو للمرة الأولى، ليس خصماً تاريخيا ً، بل مرآة قاسية تعكس لها ما أصبحت عليه، وما يمكن أن تصبحه إن اختارت طريق الديمقراطية بدل إدارة الزمن بالأمن.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* إن المقاومة الإيرانية، شأنها شأن الشعب الإيراني، تطالب بجمهورية ديمقراطية قائمة على فصل الدين عن الدولة، والمساواة بين المرأة والرجل، وإلغاء عقوبة الإعدام، وإيران غير نووية خالية من أسلحة الدمار الشامل، مبنية على السلام والتعايش والتعاون الدولي والإقليمي، وتناضل من أجل إحقاق حقوق شعبها. وبعبارة أخرى، فهي تعمل قبل كل شيء على نقل السيادة إلى أصحابها الحقيقيين،…

عزالدين ملا في ذكرى ميلاد الرئيس مسعود بارزاني، تتجاوز المناسبة حدود الاحتفال بميلاد شخصية سياسية، لتصبح محطة تستعيد فيها الذاكرة الكوردستانية محطات طويلة من النضال والتضحيات والتحولات التي رافقت مسيرة الشعب الكوردي. فاسم مسعود بارزاني ارتبط، بالنسبة إلى شريحة واسعة من أبناء كوردستان، بتاريخ الحركة التحررية الكوردستانية وبمرحلة الانتقال من زمن الثورة والمواجهة إلى زمن المؤسسات والسياسة والدبلوماسية، ولذلك تحضر…

خالد حسو من يتخلّى عن قضيته الوطنية والمصيرية، تحت أي ذريعة كانت، سواء أُطلق عليها اسم التكتيك أو السياسة أو الواقعية أو الحسابات المرحلية، لا يخسر موقفًا عابرًا فحسب، بل يغامر بمكانته في ذاكرة شعبه والتاريخ. فالتاريخ لا يحفظ أسماء الذين فرّطوا بالحقوق حين اشتدّت المحن، ولا يكرّم من جعلوا من التراجع فضيلة، ومن التنازل سياسة، ومن الصمت حكمة. قد…

م. عبدالباقي علي ما يجري اليوم في المناطق الكردية السورية ومحيطها لا يبدو، في رأيي، مجموعة أحداث منفصلة أو مجرد مصادفات متزامنة. هناك سلسلة من المؤشرات السياسية والعسكرية والاجتماعية التي توحي بأن مرحلة كاملة يجري إعادة ترتيبها، وأن الكثير من الأوراق التي استُخدمت خلال السنوات الماضية بدأت تفقد وظيفتها القديمة. هذه قراءة واستنتاج شخصي، وليست ادعاءً بوجود صفقة معلنة تجمع…