العنوان الخاطئ يا دمشق

مسلم شيخ حسن- كوباني

مع التحولات العميقة التي شهدتها سوريا عقب سقوط النظام البعثي ورأس سلطته، يبرز تساؤل جوهري حول طبيعة المسار الديمقراطي المنشود وكيفية تجاوز أخطاء الماضي وبناء مرحلة جديدة قائمة على العدالة السياسية والشراكة الوطنية الحقيقية. إن بناء دولة ديمقراطية حديثة لا يتحقق إلا من خلال تبني نهج واضح ومسؤول يضع مصالح الشعب السوري بكل مكوناته في صدارة الأولويات، بعيداً عن السياسات الالتفافية التي أضعفت الدولة وأفقدت مؤسساتها شرعيتها على مدى عقود.

لقد أثبتت التجربة السورية السابقة أن استبعاد القوى السياسية الحقيقية وحل القضايا الوطنية المصيرية عبر قنوات غير رسمية أو شخصيات غير مخولين، كان من أبرز أسباب تعقيد الأزمات بدلاً من حلها. إذ عمد النظام آل الأسد الى الالتفاف على المطالب المشروعة لمكونات الشعب السوري، من خلال خلق بدائل شكلية تفتقر إلى التمثيل أو القدرة على صنع القرار ،الأمر الذي أدى إلى إفراغ العملية السياسية من مضمونها الحقيقي وتحويلها إلى أداة لإدارة الأزمات بدل معالجتها .

من هذا المنطلق، تتطلب المرحلة الجديدة إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس الشفافية والمساءلة، وذلك من خلال الاعتراف بالقوى السياسية الفاعلة كممثلين شرعيين لقواعدها الشعبية. فالقضايا الوطنية الكبرى وفي مقدمتها القضايا المتعلقة بحقوق المكونات القومية، لا يمكن معالجتها عبر وسطاء أو شخصيات اجتماعية أو عشائرية لا تمتلك تفويضاً سياسياً بل تستوجب حواراً مباشراً ومسؤولاً مع الجهات المعنية وأصحاب الشأن.

إن مسؤولية حكومة دمشق في هذه المرحلة التاريخية تقتضي أن ترتقي إلى مستوى التحديات ،عبر تبني نهج سياسي جديد قائم على الانفتاح الحقيقي ونبذ الأساليب القديمة التي أثبتت فشلها .فالتعامل الجاد مع القضايا الوطنية، بما فيها القضية الكردية من خلال أطر سياسية وتنظيمية تعكس تطلعات هذه المكونات ، لا عبر قنوات خلفية تقوض الثقة وتعيد إنتاج الأزمات.

في المقابل، تقع على عاتق القوى المجتمعية بما فيها الوجهاء العشائريون، مسؤولية عدم الانخراط في أدوار تتجاوز حدودها الطبيعية بما قد تستغل لإضعاف العمل السياسي المنظم أو الالتفاف على التمثيل الحقيقي. فبناء الدولة الديمقراطية يتطلب وضوحاً في الأدوار وتكاملاً بين البنى الاجتماعية والسياسية، لا تداخلاً يفتح الباب أمام إعادة إنتاج سياسات الماضي.

إن أبرز درس استخلصناه من العقود الخمسة الماضية هو أن إدارة التنوع في سوريا لا يمكن تحقيقها بالإقصاء أو التهميش أو الالتفاف بل بالاعتراف المتبادل والتعاون الحقيقي في صنع القرار. لذا، فإن نجاح العملية الديمقراطية في سوريا يعتمد على قدرة جميع الأطراف على تجاوز الممارسات السابقة والانخراط في عملية سياسية شفافة قائمة على التمثيل الحقيقي والإرادة الوطنية الموحدة.

وأخيراً ، تواجه سوريا اليوم فرصة تاريخية لإعادة بناء نفسها على أسس جديدة. غير أن اغتنام هذه الفرصة يتطلب إرادة سياسية صادقة والتزاماً فعلياً بمبادئ الديمقراطية، بما في ذلك احترام التمثيل الشرعي والابتعاد عن الأساليب التي أثبتت التجربة أنها لا تنتج إلا مزيداً من الأزمات.

30 / 3 / 2026

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أحمد بلال يثير شعار «أخوة الشعوب» الكثير من التساؤلات، خاصة عندما يترافق مع تصريحات تؤكد أن عصر الدولة القومية قد ولى. فعندما يصرّح قياديون في منظومة KCK، ومن بينهم آلدار خليل، بأن عصر الدولة القومية أصبح من الماضي، يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن الحديث عن أخوة الشعوب إذا كنا قد تجاوزنا القوميات التي تُعرّف هذه الشعوب وتمنحها خصوصيتها؟ من…

Prof. Dr. Sarbast Nabi القطيع الذي اعتاد على التبعية وتغييب عقله واجترار الشعير الايديولوجي محال عليه أن يفهم ما تقوله عزيزي.. لن نهاب صراخ الجهلة وزوابع تهديدهم ووعيدهم لأننا لم نخشى يوماً مرشدي معلميهم أمثال الأسد وأردوغان، دعهم في غيهم يعمهون. سنواصل حتى اخر نفس في صدورنا وآخر ومضة نقد في عقولنا. لن يردعونا، دماء أبناء وبنات شعبنا…

إبراهيم اليوسف أعلنت أسرة الشخصية الاجتماعية عثمان بهلوي – عثمان عثمان – مع الدقائق الأولى من صباح اليوم، أن قلب عميدها. أحد أوائل المحامين الكرد في- قامشلي- توقف عن النبض، بعد تدهور وضعه الصحي- تدريجياً- خلال الأشهر الماضية. وكان الأطباء السويديون في استوكهولم، حيث يقيم منذ حوالي عشرين سنة، قد أعلنوا يأسهم من حالته، فعاد إلى البيت ليتلقى الرعاية تحت…

لوند حسين* منذُ أن تعرضت كُردستان للتقسيم بين الإمبراطوريتين العثمانية والفارسية، ثم أُلحقت أجزاؤها بالدول التي نشأت لاحقاً في المنطقة وفقَ اتفاقيات سايكس-بيكو، دخل الشعب الكُردي مرحلة طويلة من الحرمان من حقوقِهِ القومية والسياسية والثقافية؛ وعلى امتداد أكثر من قرن، واجه الكُرد في مختلف أجزاء كُردستان سياسات مُتباينة في أدواتها، لكنها تشابهت في كثير من الأحيان في إنكار الهوية الكُردية،…