الهوية الكردية في مواجهة ايديولوجيا الأمة الديمقراطية

عبدالجبار شاهين

في الآونة الأخيرة يطفو على السطح خطاب سياسي جديد–قديم يقوده حزب Pajak الموالي لجماعة الأمة الديمقراطية وإخوة الشعوب، خطاب يقوم على الترويج لفكرة نقل تجربة روژآڤا إلى روژهلاتي كردستان، وكأن هذه التجربة كانت نموذجاً ناجحاً أو مشروعاً قابلاً للتكرار، في حين أن الواقع الملموس وما عاشه الكرد في روژآڤا يثبتان عكس ذلك تماماً، إذ لم تؤدِّ تلك التجربة إلا إلى إضعاف الهوية القومية الكردية، وتفريغ النضال الكردي من مضمونه التاريخي، وتحويله إلى إطار أيديولوجي عابر للقوميات يخدم مشاريع لا تمت بصلة حقيقية لتطلعات الشعب الكردي في الحرية والاستقلال والكرامة الوطنية.
لقد قُدِّمت تجربة روژآڤا على أنها بديل ثوري وديمقراطي، لكنها في الممارسة تحولت إلى نموذج فاشل سياسياً واجتماعياً، قائم على تهميش الرموز القومية الكردية، ومحاربة أي خطاب وطني مستقل، وفرض رؤية أحادية لا تعترف بالتعدد داخل المجتمع الكردي نفسه، فضلاً عن ارتهانها لأجندات إقليمية ودولية جعلت منها أداة وظيفية أكثر من كونها مشروع تحرر حقيقي، وهو ما أدى في النهاية إلى نفور شريحة واسعة من الكرد الذين شعروا بأن هويتهم القومية تُستبدل بشعارات فضفاضة لا تعكس تاريخهم ولا تضحياتهم.
اليوم، يحاول Pajak تصدير هذه “البضاعة السياسية الفاسدة” ذاتها إلى روژهلاتي كردستان، متجاهلاً الفوارق العميقة في البنية السياسية والعسكرية والاجتماعية، ومتعامياً عن حقيقة أن المجتمع الكردي في روژهلاتي كردستان يمتلك وعياً سياسياً متراكماً وتجربة نضالية طويلة لا يمكن تجاوزها أو القفز فوقها بشعارات مستوردة أو ربما مختلفة في اقبية بعض الاستخبارات الإقليمية أثبتت فشلها في مكان آخر، فمحاولة فرض نموذج جاهز، منقطع الصلة عن الواقع المحلي، لا تعكس سوى سطحية في الفهم السياسي وعجز عن إنتاج مشروع وطني كردي أصيل.
والأهم من ذلك أن روژهلاتي كردستان ليس هناك فراغاً سياسياً أو أمنياً يمكن لأي تنظيم هاوٍ أن يتمدد فيه، إذ توجد هناك قوات بيشمرگة منظمة ومجرَّبة، تمتلك تاريخاً طويلاً من النضال والتضحية، وخبرة عسكرية وتنظيمية تراكمت عبر عقود من الزمن ، وهذه القوات ليست فقط عامل توازن ميداني، بل تمثل أيضاً رمزاً للشرعية الوطنية والدفاع عن الهوية الكردية، الأمر الذي يجعل من المستحيل تقريباً على مثل هذه المشاريع الهشة والمشبوهة أن تجد لها موطئ قدم أو مساحة حقيقية للتحرك أو التأثير.
وعليه، فإن محاولات استنساخ تجربة روژآڤا في روژهلاتي كردستان لن تكون سوى تكرار لفشل سابق في بيئة أكثر وعياً وأكثر صلابة، حيث لا يمكن تمرير مشاريع سياسية فاسدة تحت غطاء شعارات براقة، ولا يمكن الإلتفاف على تاريخ طويل من النضال الكردي عبر أيديولوجيات دخيلة أثبتت الأيام أنها لا تخدم إلا نفسها، بينما يبقى الشعب الكردي، بقواه الحقيقية وتنظيماته الأصيلة، قادراً على حماية قضيته من العبث والتخريب.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

جوان عصمت سيدا بحكم عملي السابق في شعبة آثار القامشلي وترأسي للشعبة بين سنوات 2006 – 2010 أود توضيح بعض الحقائق من منظور أثري وقانوني. ينص قانون الآثار السوري رقم ( 222) لعام 1963 وتعديلاته لعام 1999، المستند إلى المبادئ والتشريعات الدولية الخاصة بحماية التراث الثقافي ( ان كل مخلف مادي ثابت أو منقول يتجاوز عمره 200 سنة ميلادية أو…

حسن قاسم إن إعلان جماعة متطرفة (العصائب الحمراء) مسؤوليتها عن التفجيرات الأخيرة في دمشق، مع تهديدها بتنفيذ المزيد من العمليات، يجب أن يدق ناقوس الخطر ليس للسوريين وحدهم، بل للمجتمعين الإقليمي والدولي أيضاً. فالإرهاب الذي اعتقد كثيرون أنه هُزم عسكرياً لم يختفِ، بل بقيت خلاياه وأفكاره قادرة على استغلال أي فراغ سياسي أو أمني. لقد أثبتت السنوات الماضية أن القضاء…

مهند محمود شوقي لم تعد المدن الحديثة تُبنى بالخرسانة وحدها، فنجاح المدينة في القرن الحادي والعشرين لا يُقاس فقط بعدد الطرق والجسور والمباني التي تنشئها، بل بقدرتها على توفير بيئة تجعل حياة الإنسان أكثر جودة واستقراراً. فالمساحات العامة، والطاقة المستدامة، والأمن المائي، والهوية الحضرية، أصبحت اليوم جزءاً من تعريف التنمية بقدر أهمية البنية التحتية التقليدية. ومن هذا المنطلق،…

د. محمود عباس تركيا في الناتو: السلاح، سوريا، إيران، والكورد تتحرك تركيا في قمة الناتو من موقع “الدولة المضيفة”، لا من موقع العضو العادي. فهي تريد أن تعرض نفسها بوصفها عقدة جغرافية وعسكرية وسياسية لا يستطيع الحلف تجاوزها: البحر الأسود، سوريا، القوقاز، الشرق الأوسط، أوكرانيا، ملف الطاقة، وخطوط التماس مع روسيا وإيران. لذلك لن تكون مطالب أنقرة محصورة في بند…