نوروز BONN … حين ارتفع العلم وتكلمت الهوية

شادي حاجي
لم يكن نوروز في مدينة بون مجرد احتفال عابر، ولا مهرجاناً يُضاف إلى سلسلة الفعاليات السنوية، بل كان لحظة تاريخية نابضة، تجلّت فيها روح شعبٍ كامل، واستعادت فيها الذاكرة الكوردستانية وهجها بكل فخر واعتزاز.
في ذلك اليوم، لم تجتمع الحشود فقط لتشاهد، بل لتكون جزءاً من الحدث. أكثر من مئة ألف إنسان (بحسب بعض القنوات التلفزيونية الألمانية) لم يكونوا جمهوراً عادياً، بل كانوا القلب النابض لمشهدٍ استثنائي، صنعوه بأنفسهم، وكتبوه بأصواتهم وأيديهم ووعيهم. منذ اللحظات الأولى، بدا واضحاً أن ما يجري يتجاوز حدود الاحتفال، ليصل إلى مستوى الملحمة.
تنظيمٌ راقٍ، عروضٌ فنية مبهرة، كلماتٌ مؤثرة، وأداءٌ ارتقى إلى مستوى الحلم… كل ذلك مهّد للذروة الحقيقية: لحظة التحام الجمهور مع الحدث. حينها، تحوّل ميدان RHEINAUE إلى لوحة سحرية؛ آلاف الأيادي ارتفعت، وكل يدٍ تحمل العلم الكردستاني، لترتفع الألوان في الأفق كبحرٍ نابضٍ بالهوية والانتماء. مشهدٌ بسيط في أدواته، عظيم في معناه، عبّر عن وحدةٍ لا تُكسر، وعن هويةٍ لا تنطفئ.
في تلك اللحظة، لم تكن الأعلام مجرد رموز تُرفع، بل كانت امتداداً لشعلة كاوا الحداد، تلك الشعلة التي ترمز للحرية والانتصار، والتي تتجدد في كل نوروز. وكأن الحضور جميعاً كانوا يعلنون، برفرفةٍ واحدةٍ نابضة، أنهم جزء من هذه الأسطورة الحيّة، وأنهم يحملونها جيلاً بعد جيل.
نوروز، في جوهره، ليس عيداً فقط، بل هو فلسفة حياة. هو الفرح الذي يولد من رحم المعاناة، وهو الكرامة التي ترفض الانكسار، وهو النور الذي يجمع القلوب رغم المسافات. وهذا ما تجسد بوضوح في بون؛ حيث امتدت الروح من جبال كوردستان إلى قلب أوروبا، لتؤكد أن هذا الشعب، رغم كل ما مرّ به، ما زال قادراً على أن يفرح… وأن يقف… وأن يرفع رايته عالياً في وجه العالم.
لقد كان الحضور رسالة قبل أن يكون عدداً، وكان الصوت موقفاً قبل أن يكون هتافاً. في صرخاتهم كان التاريخ، وفي ثباتهم كانت القضية، وفي احتضانهم للعلم والمسرح واللحظة… كانت الهوية الجامعة التي لا تنكسر.
نوروز بون لم يكن نهاية عرض، بل بداية قصة. قصة ستُروى للأجيال القادمة، عن يومٍ اجتمعت فيه القلوب كقلبٍ واحد، وعن شعبٍ أثبت أنه ليس جغرافياً ممزقة، بل إرادة حيّة لا تُساوَم. يومٌ نقش فيه الكرد اسمهم في ذاكرة مدينة بون بحروف من نورٍ ونار، ليبقى شاهداً على أن نوروز… ليس مجرد احتفال، بل عهدٌ متجدد بالحرية والكرامة والوجود.
وفي الختام،
كل الشكر والامتنان لكل من ساهم في إنجاح هذا الحدث التاريخي؛ من القائمين على التنظيم، إلى الفنانين والمبدعين، إلى كل يدٍ عملت بصمت، وكل صوتٍ صدح بحب، وكل قلبٍ حضر ليكون جزءاً من هذه اللحظة.
لقد صنعتم نوروزاً يليق بكردستان … نوروزاً سيبقى مضيئاً في الذاكرة، كما بقيت شعلة الحرية حيّة لا تنطفئ. 🔥

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالجبار شاهين أنا لا اكتب من موقع الخصومة ولا من موقع التبرير بل من موقع القلق الذي يتراكم في صدري كلما رأيت كيف تتحول القضايا الكبرى إلى مسارات مغلقة تبتلع أبناءها جيلا بعد جيل وكيف يصبح الصراع مع مرور الوقت حالة طبيعية لا تسائل وكأنها قدر لا يمكن الخروج منه. قبل سنوات في نهاية عام 2012 وقبل سيطرة…

د. محمود عباس من غرائب ذهنية الشعب الكوردي، ومن أكثر جدلياته إيلامًا، أن كثيرًا من أبنائه ما إن يرتقوا إلى مواقع عليا داخل الدول التي تحتل كوردستان، حتى يبدأ بعضهم بالتخفف من انتمائه القومي، أو بطمسه، أو بتحويله إلى مجرد خلفية شخصية لا أثر لها في الموقف ولا في القرار القومي الكوردي. والمفارقة هنا ليست في وجود كورد في مواقع…

م.محفوظ رشيد بات مرفوضاً تماماً الطلب من الكوردي الخروج من جلده القومي، والتنازل عن حقه الطبيعي وحلمه المشروع..، حتى يثبت لشركائه في الوطن أنه مواطن صالح ومخلص وغير انفصالي .. ولم يعد صحيحاً النظر للكورد وفق مقولة الشاعر معن بسيسو:”انتصر القائد صلاح الدين الأيوبي فهو بطل عربي ولو انهزم فهو عميل كوردي”. ولم يعد جائزاً اعتبار الكوردي من أهل البيت…

المحامي محمود عمر أبا لقمان من السجن ..الى السجن..الى الوداع الأخير؟؟!!. من الصعوبة بمكان على المرء أن يقف في هذا المقام ليعيش لحظات حزن ووداع على رحيل أي كان’ فكيف بمن يقف وقد وقع على عاتقه بأن يعزي أخا وصديقا بخصال أبا لقمان. رجل لطيف, شديد التواضع , دمث الخلق, سريع الحضور, بعيد عن التكلف, مشرق…