حوران حم
قد يبدو للبعض أن ما يُقال اليوم هو نوع من المبالغة أو القراءة القاتمة للواقع، لكن الحقيقة أن ما يجري ليس وليد اللحظة، ولا هو نتاج صدفة سياسية عابرة، بل هو امتداد لمسار طويل من الترتيبات التي جرت على حساب دماء الكورد وتضحياتهم، وبعناوين براقة تخفي في جوهرها تحولات عميقة وخطيرة.
من الشيخ مقصود إلى الأشرفية، مروراً بدير حافر والطبقة والرقة ودير الزور، وصولاً إلى كوباني التي تحولت إلى أيقونة للصمود، لم تكن تلك الدماء مجرد ثمن للحرب، بل تحولت – مع مرور الوقت – إلى أوراق في لعبة أكبر، جرى توظيفها بعناية لتمرير مشروع “التحول” من حالة ثورية أو مطلبية إلى حالة سلطوية مغلقة، تُدار بعقلية الإقصاء وتُغطى بشرعية شكلية.
لقد تم تقديم شخصيات بعينها، بعضها بلا قاعدة شعبية حقيقية، لتتبوأ مواقع إدارية وعسكرية حساسة، وكأنها تمثل إرادة الشارع الكوردي، بينما الحقيقة أن هذه العملية كانت جزءاً من هندسة سياسية هدفت إلى خلق واجهة تمثيلية تُستخدم لتبرير واقع جديد، يُقصى فيه الصوت الحقيقي لصالح صوت مفروض ومدعوم من قوى خارج السياق الوطني الكوردي.
وما يزيد من تعقيد المشهد هو هذا الانفصال الواضح بين ما يُطرح في الإعلام وبين ما يُحاك خلف الكواليس. فبينما يُروّج لعناوين من قبيل “الاعتراف بالهوية” و”الانفتاح الثقافي”، يتم في العمق تفريغ القضية الكوردية من مضمونها السياسي الحقيقي، وتحويلها إلى مجرد مظاهر فولكلورية؛ الاعتراف بعيد نوروز، السماح بالزي الكوردي، التقاط الصور في أروقة القصر… كل ذلك لا يلامس جوهر القضية: الأرض، الإدارة، الحقوق الدستورية، والشراكة الحقيقية في القرار.
وهنا يبرز السؤال المؤلم: أين نحن من مشروع المؤتمر الوطني الكوردي الجامع؟ أين ذهبت الدعوات التي ملأت الساحات والمنصات لعقد مؤتمر يوحد الصف الكوردي، ويضع استراتيجية واضحة لمستقبل القضية؟ ماذا بقي من كونفرانس 26/4/2025، سوى كونه محطة إعلامية أخرى لم تترجم إلى خطوات عملية على الأرض؟
إن زيارة وفد كوردي إلى القصر الجمهوري، في ظل هذا الواقع، تطرح أكثر مما تجيب. هل نحن أمام محاولة لانتزاع اعتراف شكلي؟ أم أننا أمام عملية إعادة إنتاج للسلطة نفسها، ولكن بوجوه كوردية هذه المرة؟ هل القضية الكوردية اختُزلت إلى حضور رمزي داخل مؤسسة لم تعترف يوماً، بشكل جدي، بحقوق هذا الشعب؟
ما يُحاك اليوم أخطر بكثير من مجرد خلافات سياسية أو تباينات حزبية. نحن أمام مشروع لإعادة تشكيل الوعي، لإقناع الكوردي بأن سقف طموحه يجب أن يُخفض، وأن أقصى ما يمكن تحقيقه هو بعض المكاسب الثقافية، بينما تُسحب من تحته الأرض والقرار والهوية السياسية.
والأخطر من ذلك، هو أن الانقسام الكوردي الداخلي، وغياب المشروع الوطني الجامع، يفتح الباب واسعاً أمام هذه السيناريوهات. فحين تغيب الرؤية الموحدة، تتحول الساحة إلى فراغ تستغله القوى الإقليمية والدولية، وكل طرف يسعى لملئه وفق مصالحه، لا وفق مصلحة الشعب الكوردي.
إن الفتنة التي تُحاك اليوم ليست عفوية، وليست مجرد توترات محلية، بل هي جزء من استراتيجية تهدف إلى تفكيك النسيج المجتمعي الكوردي، وإشغاله بصراعات جانبية، بينما تُمرر التفاهمات الكبرى بعيداً عن أعين الناس.
ما نحتاجه اليوم ليس المزيد من البيانات ولا الصور، بل مراجعة جادة وشجاعة. نحتاج إلى إعادة الاعتبار لفكرة المشروع الوطني الكوردي، إلى بناء رؤية سياسية واضحة، تنطلق من الثوابت ولا تساوم على الحقوق الأساسية.
القضية الكوردية في سوريا ليست قضية اعتراف ثقافي، بل قضية شعب وأرض وحقوق. وأي محاولة لاختزالها في إطار ضيق، مهما بدا براقاً، ليست سوى التفاف على جوهرها.
قد يكون القادم أكثر إثارة للاستغراب، كما قلت، لكن الأخطر أن يتحول هذا الاستغراب إلى حالة من الاعتياد. عندها فقط، نكون قد خسرنا ليس فقط المعركة السياسية، بل معركة الوعي أيضاً.