كردستان بين الحقيقة التاريخية والسند القانوني

صبحي دقوري

ليس دقيقًا، من الناحية التاريخية ولا القانونية، أن يُقال عن الأكراد إنهم مجرد جماعات “تعيش داخل” تركيا أو العراق أو سوريا أو إيران، وكأن وجودهم هناك طارئ أو لاحق لنشوء هذه الدول. الأدق أن يقال إن كردستان التاريخية قُسِّمت بين عدة دول حديثة، وإن حدود هذه الدول رُسمت على أجزاء من أرض كردية تاريخية كان الأكراد يعيشون فيها قبل قيام تلك الكيانات بصيغتها الحالية. وتعرّف الموسوعات المرجعية كردستان بوصفها إقليمًا جغرافيًا تاريخيًا يمتد عبر أجزاء من تركيا والعراق وإيران وسوريا، وتؤكد أن الأكراد هم السكان الرئيسيون فيه. 

 

أولًا: الحقيقة التاريخية

التاريخ هنا لا يبدأ من الخريطة السياسية المعاصرة. قبل نشوء تركيا الحديثة والعراق وسوريا بحدودها الحالية، كانت كردستان معروفة بوصفها مجالًا جغرافيًا وتاريخيًا متصلًا، وإن كانت خاضعة سياسيًا في مراحل مختلفة لإمبراطوريات متعاقبة. لذلك فإن القول إن “الأكراد داخل تركيا” أو “داخل العراق” قد يكون صحيحًا على خريطة اليوم، لكنه يصبح مضللًا إذا حجب الحقيقة الأسبق: وهي أن هذه الحدود جاءت لاحقًا على الوجود الكردي، لا العكس.

بعد الحرب العالمية الأولى وانهيار الدولة العثمانية، بدأت مرحلة إعادة تشكيل المنطقة بمعاهدات دولية. وهنا تظهر أهمية معاهدة سيفر لعام 1920، لأنها ليست مجرد وثيقة سياسية عامة، بل تضمنت قسمًا صريحًا بعنوان Kurdistan. فنصت المادة 62 على إعداد مشروع حكم ذاتي محلي للمناطق ذات الغالبية الكردية الواقعة شرق الفرات، وجنوب حدود أرمينيا المزمع تحديدها، وشمال حدود تركيا مع سوريا وبلاد الرافدين. ثم نصت المادة 64 على أنه إذا طلب الأكراد خلال سنة من دخول المعاهدة حيز النفاذ الاستقلال عن تركيا، ورأت عصبة الأمم أن غالبية السكان ترغب في ذلك وأنهم قادرون عليه، فإن تركيا تتعهد بالتنازل عن حقوقها في تلك المناطق. هذا النص مهم جدًا، لأنه يثبت أن المسألة الكردية كانت مطروحة اعترافًا دوليًا صريحًا، لا مجرد خطاب سياسي متأخر. 

لكن هذه المعاهدة لم تُنفَّذ عمليًا، ثم جاءت معاهدة لوزان سنة 1923 التي حلّت محلها وثبّتت حدود الدولة التركية الحديثة من دون النص على كيان كردي أو حتى حكم ذاتي كردي. وهنا وقع التحول الحاسم: ما كان مطروحًا في سيفر بوصفه احتمالًا قانونيًا دوليًا اختفى في لوزان، فتكرست الدولة التركية الحديثة ضمن حدود تشمل أجزاء واسعة من كردستان التاريخية. هذا لا يعني أن الأكراد انتقلوا إلى داخل تركيا، بل يعني أن الحدود الجديدة ضمّت أرضًا كردية تاريخية إلى الدولة التركية. 

والأمر نفسه، من حيث المبدأ التاريخي، ينطبق على القسم العراقي والسوري والإيراني من كردستان. فالموسوعات المرجعية لا تحصر كردستان في تركيا، بل تعدّها إقليمًا تاريخيًا موزعًا اليوم بين تركيا والعراق وإيران وسوريا. لذلك فالتعبير الأدق ليس أن الأكراد “دخلوا” هذه الدول، بل أن هذه الدول الحديثة قامت بحدود شملت أجزاء من كردستان. 

 

ثانيًا: السند القانوني

 

من الناحية القانونية، لا يمكن تجاهل مبدأ أساسي في القانون الدولي الحديث، وهو حق الشعوب في تقرير المصير. فـ ميثاق الأمم المتحدة ينص في المادة 1/2 على أن من مقاصد الأمم المتحدة تطوير العلاقات الودية بين الأمم على أساس احترام مبدأ المساواة في الحقوق وحق الشعوب في تقرير مصيرها. كما تؤكد المادة 55 المبدأ نفسه. 

 

ولم يقف الأمر عند الميثاق، بل جاء العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ليقرر في مادته الأولى أن جميع الشعوب لها حق تقرير مصيرها، وبمقتضى هذا الحق تحدد بحرية مركزها السياسي وتواصل بحرية نماءها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. والنص نفسه يرد أيضًا في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. هذا يعني أن الحديث عن الأكراد كشعب ذي حق في تقرير المصير ليس خارجًا عن لغة القانون الدولي، بل منسجم معها من حيث الأصل المبدئي. 

 

لكن ينبغي أن يكون الكلام دقيقًا هنا: القانون الدولي لا يعمل بمبدأ واحد فقط، بل يوازن أيضًا بين حق تقرير المصير وسلامة أراضي الدول القائمة. ولهذا فوجود أساس قانوني لمبدأ تقرير المصير لا يعني تلقائيًا أن كل شعب يحصل فورًا على دولة مستقلة بمجرد المطالبة. وإنما يعني أن القضية الكردية ليست بلا أساس قانوني، وأن لها جذورًا معترفًا بها في النصوص الدولية، سواء من خلال سيفر تاريخيًا، أو من خلال مبدأ تقرير المصير في ميثاق الأمم المتحدة والعهدين الدوليين. 

 

ثالثًا: العراق نموذج قانوني واضح

 

في العراق يوجد دليل قانوني داخلي إضافي بالغ الأهمية. فـ دستور جمهورية العراق لعام 2005 ينص في المادة 4 على أن العربية والكردية هما اللغتان الرسميتان للعراق، وينص في المادة 117 على الاعتراف بـ إقليم كردستان وسلطاته القائمة بوصفه إقليمًا اتحاديًا. هذا ليس استقلالًا، لكنه اعتراف دستوري رسمي بأن الوجود الكردي في العراق ليس مجرد وصف اجتماعي عابر، بل كيان معترف به ضمن بنية الدولة نفسها. 

 

وهذا المثال العراقي مهم لأنه يثبت أن القضية ليست نظرية فقط، بل لها ترجمة قانونية فعلية في بعض الدول التي تضم أجزاء من كردستان. أما في تركيا وسوريا وإيران، فغياب الاعتراف نفسه لا يلغي الحقيقة التاريخية ولا ينسف وجود الأساس العام لمبدأ تقرير المصير، وإنما يعني فقط أن الوضع القانوني والسياسي يختلف من دولة إلى أخرى. 

 

رابعًا: لماذا عبارة “الأكراد يعيشون داخل هذه الدول” غير كافية؟

 

لأنها تختزل القضية في حاضر الحدود، وتلغي ماضي الأرض. هذه العبارة تصف الواقع السياسي القائم، لكنها لا تشرح كيف نشأ، ولا تُظهر أن الحدود الحالية هي نتيجة معاهدات وتسويات دولية أعقبت انهيار الدولة العثمانية. لذلك فهي عبارة ناقصة، وقد تصبح مضللة إذا استُخدمت لنفي الصلة التاريخية بين الأكراد وأرضهم. الأدق هو أن يقال

الأكراد شعب أصيل في كردستان التاريخية، وقد قُسمت هذه المنطقة بين تركيا والعراق وإيران وسوريا عبر ترتيبات وحدود حديثة؛ ولذلك فليس الأكراد جماعات وافدة إلى هذه الدول، بل هذه الدول الحديثة شملت أجزاء من الأرض الكردية التاريخية. 

بالدليل التاريخي، كردستان إقليم تاريخي معروف يسكنه الأكراد، ولم ينشأ وجودهم فيه بعد قيام الدول الحديثة. وبالدليل القانوني، معاهدة سيفر 1920 ذكرت كردستان صراحة وفتحت باب الحكم الذاتي والاستقلال المشروط، ثم جاءت لوزان 1923 لتثبت حدودًا جديدة من دون كيان كردي. وبالدليل القانوني العام، يقر ميثاق الأمم المتحدة والعهدان الدوليان بأن جميع الشعوب لها حق تقرير المصير. وفي العراق، يضاف إلى ذلك الاعتراف الدستوري بالكردية وإقليم كردستان. 

لذلك، فإن الصياغة الأكثر دقة وإنصافًا هي:

ليس صحيحًا تاريخيًا أن الأكراد مجرد أقليات تعيش داخل تركيا أو العراق أو سوريا أو إيران، بل الصحيح أن كردستان التاريخية قُسمت بين هذه الدول، وأن الحدود الحديثة فُرضت على أرض كردية وشعب أصيل فيها. 

 

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

هجار أمين من المفارقات التاريخية القاسية أن التجارب السياسية التي يُراد لها أن تكون حلاً، قد تتحول بفعل الإهمال وسوء التقدير إلى مشكلة أشد وطأة من سابقتها، هذا تماماً ما حدث في مناطق شمال شرق سوريا، بعد اتفاق 29 كانون الثاني بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والحكومة السورية. فما كان يُؤمَّل أن يكون “اندماجاً” يعيد اللحمة الوطنية ويحسن ظروف المعيشة،…

تحل في الرابع والعشرين من حزيران الذكرى الثانية والخمسون لتطبيق مشروع الحزام العربي العنصري، الذي بدأ نظام البعث بتنفيذه عام 1974 بموجب القرار رقم (521)، استنادا إلى المخطط الشوفيني الذي وضعه محمد طلب هلال عام 1962، والذي استهدف الوجود القومي للشعب الكوردي في كوردستان سوريا، وسعى إلى فرض واقع ديموغرافي جديد يخدم السياسات القومية العنصرية للنظام على حساب الحقوق التاريخية…

في الرابع والعشرين من حزيران من كل عام، يستحضر شعبنا في كردستان سوريا ذكرى تنفيذ أحد أخطر المشاريع القمعية والتمييزية التي تبنّاها النظام البعثي البائد، والمتمثّل بـ”مشروع الحزام العربي” في محافظة الحسكة. فبعد مرور 52 عاماً على انطلاق هذا المشروع الاستيطاني، الذي استهدف تغيير البنية السكانية والديموغرافية للمنطقة الكردية ، عبر إقامة شريط استيطاني بعمق 15 كيلومتراً على طول الحدود…

عبد الرحمن كلو قراءةٌ تحليلية في مفارقةٍ استراتيجية: لماذا يشتدّ الضغطُ على إقليم كوردستان في ذروة ضعف خصومه؟ تَفترض القراءاتُ السياسية التقليدية أن تراجعَ قوّة المحور الإيراني — لا سيّما بعد الحرب الأخيرة، والضغطِ المتصاعد على أذرعه في العراق ولبنان واليمن، وتجفيفِ السيولة المالية لميليشياته — يُفضي تلقائيًّا إلى صعود حلفاء الغرب في المنطقة. ووفقًا لهذه المعادلة، كان المتوقَّع أن…