صلاح بدرالدين
لن نذهب بعيدا الى بدايات ظهور حركة – خويبون – عام ١٩٢٧ ، ومؤتمرها التمهيدي غير المعلن في القامشلي ، واستكماله الرسمي في ( صوفر – بحمدون ) بلبنان ، ولا الى ماتلاها من قيام جمعيات ثقافية، ومجموعات شبابية، ونوادي، وارهاصات تنظيمية مبكرة، ولا الى حقبة ظهور اول تنظيم سياسي حزبي للكرد السوريين جميعا، كاول تجربة شهدت الاعتقالات السياسية في الهرم القيادي، وواجهت امتحان الإجابة على العديد من التساؤلات الجوهرية: من نحن ؟ ماذا نريد ؟ والى اين ماضون ؟ .
بل سنبدأ من مرحلة بقيت تلك التساؤلات من دون إجابة شافية وافية، وتعرض التنظيم الحزبي الى جزر بعد المد الواسع ، ومغادرة، وتكتلات ، ومواجهة أعضاء الحزب لشبه صدمة ، ونمو اتجاه – انهزامي يميني لقي الفرصة سانحة لتحويل الحزب الى جمعية شبه ثقافية ، وموقف سياسي موالي للسلطة الحاكمة .
نعم سنبدأ من مرحلة الحسم، وإعادة البناء الفكري ، والتنظيمي ، والسياسي من جديد ، وبلورة النهج القومي والوطني ، والاممي ، وتصحيح المسار ، والتحول الجذري على المستوى النظري منذ يوم الخامس من آب ١٩٦٥ ، في الكونفرانس الخامس للحزب الديمقراطي الكردي ، والذي اضيف اليه كلمة اليساري ، ثم تغير الى الاتحاد الشعبي فيما بعد .
وفي هذه العجالة سنحاول المقارنة بين تم تشخيصه ، واعتماده من مهام نظرية فكرية وسياسية ، وثقافية ، وما تحقق منها بالممارسة على ارض الواقع ، ومالم تتحقق حتى الان بعد مضي نحو ستين عاما .
إنجازات تحول الخامس من آب
١ – إعادة تعريف الكرد السوريين كشعب من السكان الأصليين ، وليس كأقلية مهاجرة ، وقد تم اعتماد ذلك بعد صراعات سياسية كردية – كردية ، ومداخلات السلطات الحاكمة دامت عقودا .
٢ – إعادة صياغة الحقوق القومية ضمن مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها ، باطار سوريا ديموقراطية تعددية موحدة .
٣ – التمسك بالنضال السياسي الجماهيري، والحوار طريقا لحل القضية الكردية السورية .
٤ – احياء الثقافة الكردية عبر مؤسسة – رابطة كاوا للثقافة الكردية – وتشكيل الفرق ذات الطابع الفني ردا على مخططات التعريب ، وايفاد الطلبة الكرد المحتاجين لتلقي العلوم بالخارج .
٥ – اعتبار النظام السياسي الديموقراطي في سوريا كفيل بإيجاد حل سلمي للقضية الكردية ، لذلك سيبقى النضال الكردي الخاص جزء من النضال الوطني الديموقراطي العام بالبلاد ضد الدكتاتورية والاستبداد .
٦ – على الصعيد القومي ستقوم الحركة الكردية السورية بأداء مهامها في دعم واسناد كفاح الحركات الكردية بالجوار في سبيل الحقوق المشروعة ، ودعم واسناد الثورة الكردية بقيادة الزعيم (الراحل) مصطفى بارزاني وبناء العلاقات الأخوية، والتنسيق، من دون التدخل في شؤون البعض الاخر الداخلية ، والحفاظ على القرار المستقل .
٧ – تحريم العلاقات مع الأنظمة في الدول المقسمة للكرد، ووطنهم .
٨ – بناء ، وتعزيز الجسور للمرة الاولى مع قوى حركة التحرر العربي وخاصة الفلسطينية .
٩ – التواصل مع قوى الثورة العالمية المتمثلة حينذاك بالدول الاشتراكية لمافيه خير الجميع .
هذه هي العناوين الأبرز لقضايا مفصلية التي تكرست كنهج فكري – سياسي– ثقافي ، دام نحو أربعين عاما ، فماذا تحقق منها ، وماذا لم تتحقق او تم التراجع عنها ؟ .
أولا – عملية إعادة الصياغة ، والبناء التي دامت عقودا شهدت المزيد من التعقيدات ، ولاقت مواجهة ليس من تيارات كردية فحسب بل من السلطات الحاكمة التي تحولت طرفا أساسيا في القضايا الداخلية للحركة الكردية خصوصا بعد تكليف الضابط الأمني = محمد منصورة = بالملف الكردي ، وفي نهاية المطاف تمسكت غالبية التعبيرات الحزبية التي تضاعفت اعدادها بمقولة الشعب بدلا من الأقلية ولكن مع التردد في رفع المطالب التي تناسب تلك المقولة ، وهذا امر جوهري ومهم .
ثانيا – بعد موجة الوافدين الجدد من جماعات – ب ك ك – بداية الثورة السورية ٢٠١١ ، وتحكمهم بالمناطق الكردية بدعم مباشر من نظام الأسد ، جرى الاخلال بالمفاهيم القومية ، وموضوعة الشعب ، وتقرير المصير ، والجغرافيا الكردية ، ووسيلة النضال السلمي ، والعلاقات الوطنية ، والإقليمية ، والقومية ، أي إعادة المشهد الى أواسط الستينات .
ثالثا – تم اختراق نهج التنسيق الاخوي ، والعمل المشترك على قاعدة الاحترام المتبادل واستقلالية القرار ، الى المزيد من التبعية على الصعيد القومي .
رابعا – تراجع العامل الذاتي في التعبيرات الحزبية الكردية الى ادنى الدرجات : ضعف المسؤولين ، الفساد ، المال السياسي ، التبعية ، غياب المشروع السياسي القومي والوطني الموحد .
خامسا – مقابل ذلك طرأ تحول إيجابي في العوامل الموضوعية ومن ابرزها سقوط نظام الاستبداد ، وصدور المرسوم الجمهوري – ١٣ – لعام ٢٠٢٦ ، بخصوص الوضع الكردي ، ومضاعفة اعداد الوطنيين الكرد اللامنتمين الى الأحزاب ، وهم مرشحون للقيام بدور – الكتلة التاريخية – المنقذة .
هل يمكن إعادة التوازن من جديد ؟
الأجواء داخل الحركة السياسية الكردية شبيهة بما كانت عليه عشية الخامس من آب عام ١٩٦٥ ، وتحديدا في العوامل الذاتية ، مع تبدل إيجابي مهم في العوامل الموضوعية التي ستكون الأخيرة عونا في عملية تحول جديدة عبر ما طرحناه منذ أعوام والمقصود مشروع إعادة البناء ، والاتحاد ، واستعادة الشرعية عبر المؤتمر الكردي السوري الجامع .
هناك فرصة الآن قد لاتتكرر للم شمل كل المؤمنين بتلك المسلمات التسعة السالفة الذكر ، ليشكلوا القاعدة الصلبة غير القابلة للكسر ، من مجموعات ، وافراد ، والتي تبلورت عبر تراكمات النضال ، من اجل احيائها من جديد ، والتمسك بها ، وجوابا على من يرى ( ان الظروف تغيرت ولايمكن العودة الى الوراء ) نقول ان تغير الظروف من حولنا وفي العالم لايعني ان الكرد السوريين تغيروا الى شيئ آخر ، وان حركتهم توقفت عن الحياة ، بل مازالوا كما كانوا ينتظرون الحل لقضيتهم ، وحركتهم بامس الحاجة الى إعادة بناء وتأهيل ، والامر المتغير الوحيد على الصعيد الكردي السوري هو زوال الاستبداد ، وهو تبدل مشجع .
ومن الواضح ان الإبقاء على وضع الحركة الكردية كما هي عليها الان بتعبيراتها الحزبية الراهنة ، او المراهنة عليها ، من شأنهما عدم تطوير ، وتنفيذ بنود المرسوم التاريخي – ١٣ – ، لان المرسوم بانتظار الطرف المعني ، والممثل الشرعي الحقيقي الموحد الذي لن يظهر الا عبر المؤتمر الكردي السوري الجامع .