روني حاجو:
ترجمها عن السويدية: فرهاد حاجو
في الثامن والعشرين من شباط/ فبراير حلت الذكرى الأربعون لاغتيال رئيس وزراء السويد ”أولوف بالمه”. حيث وُجّهت حينها الشبهات بداية و مبكراً نحو حزب العمال الكردستاني. في هذا المقال الشخصي، يعود بنا روني حاجو إلى تلك الحقبة التي دارت فيها الشبهات بإرتكاب تلك الجريمة بالجالية الكردية في السويد بأكملها.
عندما اغتيل ”أولوف بالمه”، كان يعيش في السويد بضعة آلاف من الأكراد، كانوا قد فرّوا من الاضطهاد في أوطانهم، ولجأوا إلى السويد. عندما ركّز التحقيق في جريمة القتل تلك على حركة المقاومة الكردية، حزب العمال الكردستاني، تمّ تجاهل نظام القانوني السويدي الراسخ بشكلٍ صارخ. ما تلا ذلك يُعدّ سابقةً في التاريخ السويدي الحديث.
بعد ستة أشهر من دفن رئيس الوزراء السويدي بالمه، و تماماً في سبتمبر1986 وصلت هيفي هاجو إلى السويد. في الوقت الذي كانت هيفي تشقّ طريقها عبر الجمارك في مطار” آرلاندا”، وتخطو خطواتها الأولى على أرض السويد حاملةً في إحدى يديها ابنتها ذات العامين، وفي الأخرى حقيبة سفر، كانت تحملني أنا في رحمها في شهورها الأخيرة. و فعلاً بعدها بشهرين وُلدتُ أنا .
لم تكن تعرف الكثير عن وطنها الجديد، سوى أنه بلد واسع و ديمقراطي، وأن رئيس وزرائها قد اغتيل مؤخرًا في شارع عام. ومثل كثير من الأكراد، كانت هي أيضاً تشعر بالحزن على الرجل المُحب للسلام و الذي بدا دائمًا مناصرًا للمظلومين. كما أنها كانت تعلم أيضاً بأن حزب العمال الكردستاني هو المسؤول عن الاغتيال حسب مزاعم وسائل الإعلام في تركيا، ذلك البلد الذي تركته هيفي وراءها، و حيث القتل و العنف المميت لم يكن أمرًا نادرًا.
في عام ١٩٧٨، أنهت هيفي دراستها الثانوية. كانت أصغرأخواتها و الوحيدة من بينهم التي كانت قد حققت هذا الإنجاز. للذهاب إلى المدرسة، كان عليها أن تسافر من قرية دوروجا (كرتوين) الريفية إلى المدرسة في مدينة نصيبين (نسيبين). بجوار قريتها كانت هناك ثكنة عسكرية. كان الجنود يداهمون القرية بانتظام. مرة واحدة على الأقل في الأسبوع، وأحيانًا أكثر. كانوا يقتحمون الأبواب، ويطلقون النار في الهواء، ويقلبون المنازل رأسًا على عقب، و يطلبون من القرويين أن يصطفوا ساعات طويلة في وضعية الإستعداد. كانت هيفي، التي تعلمت التركية في المدرسة، من بين القلائل في القرية الذين كانو يفهمون الإهانات والتهديدات التي كان الجنود يوجهونها إلى القرويين. و كانت تتجمد من الخوف، ولم تكن تستطع قط أن تترجم خطابات الجنود التي كانت تهدف إلى بث الرعب في قلوب القرويين بغرض استحصال المعلومات عن الجماعات الكردية المسلحة في المنطقة.
كانت هيفي تستمتع بالذهاب إلى المدرسة بالرغم من أن البلدة التي كانت تذهب إليها للدراسة تشكل خطراً على حياتها. ففي تلك البلدة كانت عمليات الإعدام بالرصاص في الشوارع تقع في كل يوم و في وضح النهار و التي كانت تنفذ من قبل جماعات مسلحة من خلال صراعاتها المختلفة و من خلال تنافسها على النفوذ السياسي. حتى إنه قيل بأن معظم من يطلقون النار على الأكراد كانوا أيضاً أكراداً، ولكن كان من الصعب التأكد من ذلك لأن أحداً لم يكن يجرؤ على الحديث علناً عن الجثث الكثيرة الملقى في الشوارع.
تقول هيفي: “كنت أحلم بمغادرة هذا المكان المليء بالرعب. كان الخطريحيق بنا لمجرد كوننا أكراداً، الأمر الذي كان الهروب منه مستحيلاً. حيث لم يكن من الممكن تغيير هويتك. لذا أردت الهروب إلى مكان آمن”.
المجتمع الكردي في السويد و الإنقسامات
إبراهيم أياز، كردي متقاعد من ”أوكرشبيرغا”، يعيش في السويد منذ أكثر من 45 عامًا. يقول ”في سبعينيات القرن الماضي، لم يكن هناك سوى عدد قليل من الأكراد في ستوكهولم، موزعين على جمعيات مختلفة ذات توجهات سياسية متباينة. مع ذلك، كان التماسك قويًا” شارك إبراهيم في جميع أنواع الأنشطة – المسرح والموسيقى والمظاهرات – بغض النظر عن الجهة المنظمة لها، لأنه، كما يقول هو ” يجب علينا نحن الأكراد أن نتكاتف أينما كنا”.
ولكن سرعان ما حلّت الشكوك محل هذا التكاتف. حيث تغير فجأة كل شيء و معها أيضاً تغيرت نظرة السويديين إلى الأكراد. هذا التغيير حصل بدون سابق إنذار من خلال واقعة تعتبر مفصلية في تاريخ الجالية الكردية في السويد. حدث ذلك تحديدًا في يوم صيفي، في تمام الساعة 3:15 من بعد ظهر يوم 20 يونيو/حزيران 1984. وصل شاب يبلغ من العمر 26 عامًا يُدعى أنور عطا إلى السويد من إيران. كان سابقًا عضوًا في حزب العمال الكردستاني (PKK) – وهي جماعة كردية مسلحة خاضت كفاحًا مسلحًا من أجل الاستقلال عن تركيا. كان عطا منشقًا عن هذا الحزب، ولذلك اعتبره الحزب خائنًا. كان قد انتقل حديثًا إلى مدينة ”أوبسالا” السويدية. ففي ليلة عيد ”منتصف الصيف” الذي يعتبر عيداً شعبياً مهماً لدى الشعب السويدي والذي يتسم بأيام مضيئة طويلة وليالٍ قصيرة للغاية، كانت الساحة الرئيسية في المدينة تعجّ بالناس الذين يقومون بالتسوق و شراء ما يلزم استعدادًا للاحتفالات بهذا العيد. كان أنورعطى أيضاً موجوداً هناك في ساحة ”ستورا تورجيت” في ذلك اليوم،.
في هذا اليوم شوهد أيضاً رجل آخر يُدعى ” زولكوف كيلينج” وهو يذرع الساحة جيئة وذهابًا لساعات بعصبية. فهو بخلاف الآخرين كان منشغلاً بأمر مختلف تمامًا. كان يبحث عن عطا ويحمل في جيبه مسدسًا. بعد فترة إنتظار طويلة جلس ”كيلينج” على مقعد في الساحة و هو يجول بنظره في الأطراف. عندما رفع رأسه فوجئ برؤية أنور عطا جالسًا على مقعد في موقف الحافلات على الجانب الآخر من الشارع. بقي كيلينج لبعض الوقت يراقب عطا. عندما تأكد من أن الرجل المقابل له هو بالفعل الشخص الذي كان يبحث عنه، نهض وسار نحو عطا الذي كان لا يزال جالسًا هناك. و بدون سابق إنذار بدأ كلينج بإطلاق النار على عطا من مسافة قريبة من الخلف، فسقط عطا أرضًا أمام المقعد. وقف كيلينج فوقه وأطلق ثلاث رصاصات أخرى أصابت عطا في جذعه ورأسه. وهكذا أُعدم أنورعطا في غمضة عين . وفي خضم الفوضى التي أعقبت ذلك، هرع الناس في الساحة مذعورين بحثًا عن مأوى. وانطلق بعضهم في مطاردة الجاني، الذي لم يبتعد كثيرًا.
بحسب السلطات السويدية، كان من الواضح إلى حد كبير أن كيلينج قد تصرف بأوامر من حزب العمال الكردستاني. وقد صوّر كيلينج نفسه على أنه ثوري متعاطف مع الحزب، لكنه ليس عضوًا فيه. وادعى أنه نفّذ الجريمة بناءً على طلب من الشعب الكردي بأكمله، وأنه ارتكبها بمفرده. وحُكم على كيلينج بالسجن المؤبد.
كان ”إبراهيم أياز” في حيرة من أمره. فقد كان معروفاً بتعاطفه مع حزب العمال الكردستاني، الذي كان قد صُنّف الآن كمنظمة إرهابية. ولأنه كان يتردد على دوائر تُظهر تعاطفًا واضحًا مع الحزب فقد بدأ الناس، الذين كانوا على صلة به، بالإبتعاد عنه و حتى عن تبادل التحية معه. كان إبراهيم يعرف عطا جيداً. حيث يقول:
”عندما جاء أنور عطا إلى السويد، لم يكن لديه مكان يسكن فيه، فأقام معي لبضعة أسابيع. وخلال تلك الفترة، كنا نساعد بعضنا بعضًا. بعد حصوله على تصريح الإقامة، انتقل إلى مكان آخر. و لم أره ثانيةً”.
فرض الإقامة الإجبارية ضمن البلدية الواحدة ـ والغموض القانوني
في خريف عام ١٩٨٤، أُلقي القبض على ثلاثة عشر كرديًا للاشتباه في تورطهم في اغتيال أنور عطا. بعد بضعة أشهر، أُسقطت التهم وأُطلق سراحهم. تسعة منهم – كانوا تحت مراقبة جهاز الأمن السويدي (سابو) لفترة من الزمن، والذي كان يحقق في أنشطة حزب العمال الكردستاني في السويد – و وُصِفوا بالإرهابيين وكان من المقرر ترحيلهم لهذا السبب. إلا أن عمليات الترحيل لم تُنفذ لأن هؤلاء الأشخاص كانوا يُواجهون خطر التعذيب أو حتى الإعدام حينها إذا أُرسلوا إلى تركيا. لاحقًا – وفي خطوة غير مسبوقة من خلال حكم صادرٍ عن محكمة مقاطعة ستوكهولم عام ١٩٩١ – كُشِفَ أن جهاز الأمن السويدي (سابو) قد تنصّت بشكلٍ غير قانوني على هؤلاء الأشخاص، ولأن هذا التنصّت المكثف لم يُضف أي قيمةٍ إلى تحقيقاتهم، فقد أُطلق سراح هؤلاء التسعة من الحجز، ولكنهم وُضعوا بدلاً من ذلك تحت ما يُسمى ”بالاعتقال ضمن حدود البلدية” التي يقيمون فيها. أي بمعنى آخرالإقامة الإجبارية ضمن البلدية الواحدة . كان هذا الاعتقال إجراءً شائعاً في السويد خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، وغالباً ما كان مدعوماً بقانون مكافحة الإرهاب آنذاك. عملياً، استُخدم ضد الأشخاص الذين اعتُبروا خطراً على أمن البلد. كان الاعتقال البلدي يعني منع الشخص من مغادرة البلدية التي يقيم فيها أو التي أجبر على الإقامة فيها. وكانت الشروط تقتضي منه المثول أمام الشرطة في أوقات محددة، عادةً ثلاث مرات أسبوعياً. وكانت قرارات ”الاعتقال البلدي” تُتخذ إما من قِبل الحكومة أو من قِبل مجلس الهجرة آنذاك (محكمة استئناف الهجرة حالياً) بناءً على تفويض من جهاز الأمن. في ذلك الوقت، كان إجراءً مثيراً للجدل، وتعرض لانتقادات من قِبل خبراء وباحثين قانونيين ومنظمات حقوق الإنسان.
غالباً ما استندت تلك الانتقادات إلى حقيقة أن قرارات ”الاعتقال البلدي” لم تكن تُسبق بمراجعة قضائية. هذا يعني أن الأشخاص الذين شملتهم الاعتقال البلدي لم توجه لهم أية إتهامات بإرتكاب جريمة – وفي معظم الحالات لم يُدانوا، كما لم يسبق قرار الاعتقال البلدي أية محاكمة أمام محكمة قضائية وفقًا للإجراءات القانونية المعتادة التي تكتسب ظاهريًا اليقين القانوني.
بالإضافة إلى أن هذا الإجراء كان هناك أيضاً تجاهل صارخ للتفاصيل الحقوقية الأساسية: كالحق في الرد على الاتهامات، وعرض القضية على محكمة مختصة، والحق في محاكمة عادلة، والحق في استئناف القرار. كما إن مدة سريان مفعول الاعتقال البلدي هذا لم يكن محدداًً. ما كان يعني نظريًا إمكانية استمراره إلى أجل غير مسمى دون إمكانية مراجعته.
و ربما الانتقادات الأشد قسوة كانت موجهة إلى أن الاعتقال البلدي ينتهك حقوق الإنسان ويُعدّ شكلًا من أشكال إحتجازللحرية الشخصية الغير قانوني.
”أحمد أولوسوي” البالغ من العمر آنذاك 24 عامًا، كان أحد التسعة الذين وُضعوا رهن هذا الاعتقال البلدي. واحتجاجًا على ذلك، ولعدم تمكنه من استئناف قرار الحكومة وجهاز الأمن، قرر الإضراب عن الطعام الذي إستمر 44 يومًا، و الذي أنهي نهائيًا في أكتوبر 1985.
عندما لم تُفضِ أيّة سُبل أخرى إلى التوصل إلى الحصول على حق المثول أمام المحكمة، لجأ بعض من وضوعوا تحت الإقامة الجبرية ضمن حدود البلدية إلى الطريقة الأكثر شيوعًا والأكثر ضمانًا للحصول على حقّهم في المحكمة، ألا وهي مخالفة تلك الإجراءات. و فعلاً و بالإستناد إلى تلك المخالفات نُظِر في قضية الاعتقال البلدي أخيرًا عام 1990 أمام محكمة الاستئناف في ”سكانيا وبليكينج”.
التهم كانت تتعلّق باثنين من الأكراد كانا رهن الاعتقال البلدي منذ عام 1984، و اللذين انتهكا الاعتقال البلدي مرارًا وتكرارًا، و التي بموجبها أيضاً حُكم عليهما بالسجن مرارًا وتكرارًا. وبعد كل تكرارللحكم عليهما بالسجن شهرًا أو شهرين، كانا يقومان بإستئناف الحكم. .
ومن خلال تكرار هذه اللعبة مرات عديدة، وصلت القضية إلى محكمة الاستئناف، حيث قضت المحكمة بعبارات قاطعة بأنّ قرار الحكومة بالإعتقال البلدي يُخالف الدستور. ونصّ الحكم على أن الرجلين حُرما من حرية تنقلهما دون محاكمة عادلة وعلنية، وأن هذا يُعدّ انتهاكًا للاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان والقانون السويدي.
كما قالت محكمة الاستئناف هذه بإن تقييد حرية تنقل هؤلاء كان شاملاً و طويلا زمنياً إلى درجة أنه يرقى – من الناحية القانونية – إلى مستوى “الحرمان الغير قانوني من الحرية الشخصية”.
مسار محاكمات حزب العمال الكردستاني وتداعياتها
في أواخر خريف عام ١٩٨٥، وقعت جريمة قتل أخرى. هذه المرة، كانت الضحية ”جتين غونغور”، وهو أيضًا منشق عن حزب العمال الكردستاني. هذه المرة أُطلق النارعلى جتين غونغور من مسافة قريبة من الخلف في حفل كردي في قاعة ”دار الشعب” في ستوكهولم. وهكذا قضي على شخص آخر منشق عن حزب العمال الكردستاني.
تشابهت جريمة قتل غونغور مع جريمة قتل عطا في عدة جوانب، من حيث طريقة الإعدام والدافع الظاهر والصلة بحزب العمال الكردستاني. هذه الجريمة الوحشية الثانية أدت بشكل جذري إلى تراجع موقف الرأي العام، الذي كان قد بدأت كفته تميل، إلى حد ما، لصالح المحكومين بالإعتقال ضمن حدود البلدية الواحدة . وهنا لم يعد الشك مقتصراً فقط على الأكراد المتعاطفين مع حزب العمال الكردستاني في السويد، بل امتدّ ليشمل الشتات الكردي في السويد بأكملهً.
”كيا إيزول ” في مقابلة مع قناة التلفزيونية السويدية SVT عام ١٩٨٩.
وصل كيا إيزول إلى السويد عام ١٩٧٤، وكان عمره آنذاك ٢٠ عاماً، قادماً أيضاً من تركيا. أسس مع آخرين الرابطة الوطنية الكردية في السويد عام ١٩٨١.
يقول إيزول: “كان عملنا هو تعزيز الهوية والثقافة واللغة الكردية في السويد. وفعلاً نجحنا في فتح حوارمع الجهات السياسية والمنظمات الأخرى لأجل إسماع صوتنا إلى الرأي العام السويدي. وقد رأينا بأن ذلك كان ضرورياً بالنسبة لنا بصفتنا كرداً معدومي الهوية”.
ووفقاً لإيزول، لم ترغب الرابطة الوطنية في ضم حزب العمال الكردستاني إلى ائتلافها بسبب توجههم و أسلوبهم المسلح. بعد الإعدامات المروعة لعطا و غونغور، خيّم جوٌّ من الكآبة على كل ما له صلة بالكردية، مما أدى بالتالي إلى تراجع جذري لأنشطة الاتحاد الوطني الكردي و تقلص وتيرة اجتماعاته و أصبحت ليس فقط مشلولة، بل أصبحت تقريباً معدومة.
و يضيف ” إيزول” قائلاً : ”كان من المقرر عقد مؤتمر الاتحاد الوطني في مبنى ABF في شارع ”سفيافيجن” في ستوكهولم في الأول من مارس/آذار 1986، لكنه أُلغي بسبب اغتيال ”أولوف بالمه”. حيث في عشية موعد إنعقاد المؤتمر أغتيل بالمه رمياً بالرصاص من الخلف في مكان يقع على مسافة قريبة من موقع إنعقاد المؤتمر. وهكذا أضيفت جريمة أخرى إلى سابقاتها من خلال إغتيال أولوف بالمه و أضيفت حجج أخرى لملاحقة الكرد في السويد.
كنت أعمل مُدرّساً للغة الأم ”اللغة الكردية” في مدرسة ”هولستاسكولان”، وكنت أشاهد مدى معاناة الأطفال الأكراد و مدى الظلم الذي كان يقع عليهم جراء الإحباط الطويل الأمد الذي كانوا يعانون منه جراء وصمهم بـ”قتلة بالمه” من قِبَل زملائهم في المدرسة. لم يقتصر الأمر على الأطفال فقط، بل شملت الكبار أيضاً، حيث كان يحصل في كثير من الأحيان بأن يقوم بعض السويديين بطرق باب جيرانهم الأكراد ويهددونهم علانية. بل وصل الأمر إلى أن بعض المواطنين الأكراد عندما يعودون إلى منازلهم يجدون كلمات بذيئة مكتوبة على أبوابهم. وتفاقم الأمر بعد اغتيال بالمه إلى أن وصل إلى أن الكثيرين كانوا يتفادون الإفصاح علنًا عن كونهم أكرادًا،. كما يقول ”إيزول”.
عملية ألفا وتوجيه الإتهامات جماعياً.
تولى ”هانز هولمر” ـ رئيس شرطة ستوكهولم آنذاك ـ التحقيق في قضية بالمه. وكان من المقرر أن يُدير هو ما عُرف لاحقاً باسم “مسار حزب العمال الكردستاني”. العديد من الأكراد كانو قد هاجروا إلى السويد في السبعينيات والثمانينيات – بمن فيهم والدتي – هربًا من دولة قمعية اضطهدت الأكراد و اعتبرتهم إرهابيين.
“بافي نازي“ كاتب كردي. هذا الاسم مستعار، ويعني “والد نازي”. على الرغم من مكانته كصوت بارز في الأدب الكردي الحديث، ولكن لا توجد معلومات مؤكدة علنًا عن اسمه الحقيقي. في عام ١٩٦٩، سافر من سوريا إلى الاتحاد السوفيتي لدراسة الأدب. بعد حصوله على الدكتوراه من جامعة موسكو، توجه إلى السويد وطلب اللجوء.
لم يكن قد مضى على وصول ”بافي نازي” إلى السويد سوى بضعة أشهر عندما اغتيل بالمه. خلال إنتظاره ردًا من دائرة الهجرة حول قرار الإقامة، كان قد استأجر غرفة في شقة في ”فالينغبي ـ ستوكهولم ”تعود إلى إمرأه سويدية. عندما قررإنهاء إستئجاره للغرفة ذهب إلى صاحبة الشقة في إحدى الأمسيات من يوم جمعة ليخبرها، ، أنه سيترك الغرفة و سينتقل إلى مكان آخر،مستخدمًا في ذلك الإيماءات والكلمات السويدية القليلة التي تعلمها. هنا بدأت صاحبة الشقة تصرخ في وجهه مرارًا وتكرارًا و دون أن يفهم أحدهم الآخر. و عندما طفح الكيل ب” بافي نازي” ترك الشقة و قرر أن يذهب للمبيتعند أحد معارفه و ليمضي عطلة نهاية الأسبوع عنده ومن ثم يعود يوم الاثنين ليأخذ أغراضه.
عندما عاد بافي نازي في اليوم الموعود إلى الشقة في ” فالينغبي”، كان في إستقباله صاحبة الشقة وهي تصرخ عليه مرة أخرى، و هذه المرة برفقة شرطيين بملابس مدنية. كان بافي نازي يكتب بخط يده دائمًا، ولذلك كانت غرفته مليئة بالدفاترو المخطوطات. إستولى ضباط الشرطة على جميع الدفاتر وأخبروه بأنهم سيعودون في اليوم التالي. اتصل بافي نازي ”بكيا إيزول”، الذي كان قد تعرف عليه من خلال رابطة الاتحاد الوطني الكردي، وطلب منه الحضور كمترجم. عندما عادت الشرطة في اليوم التالي، أُبلغوهم بأن صاحبة المنزل اتصلت بالشرطة للإبلاغ عن أن الصورة التقريبية لقاتل بالمه، التي نشرتها الشرطة، تُطابق صورة مستأجرها، وبأن الغريب في الأمرهو عثورهم بين أغراض ”بافي نازي”على خريطة مرسومة على ورقة، و مكتوب على الخريطة اسم “هوتورجيت” تحديداً. كما أنهم وجدوا إشارة صليب على مسار شارع ”سفيافيجين” تقريبًا في المستوى الذي يدل على المكان الذي قُتل فيه بالمه.
حاول بافي نازي جاهدًا أن يشرح أن هذه خريطة طريق رسمها بناءً على تعليمات من صديق ليجد طريقه إلى المؤتمرالمزمع عقده في اليوم التالي لمقتل بالمه في مبنى ABF من قبل رابطة الاتحاد الوطني الكردي في السويد. و هكذا بدأت دوامة الإستجوابات التي استمرت ثمانية أشهر.
«لقد طرحوا عليّ نفس الأسئلة مرارًا وتكرارًا. أرادوا معرفة سبب مجيئي إلى السويد، وكيف وصلتُ إلى هنا، وماذا كنتُ أفعل في الاتحاد السوفيتي، ومن أعرف، وأين كنتُ ليلة الجريمة، وما هي أيديولوجيتي. وإستمرّت الاستجوابات بالرغم من وجود دليل على براءتي. و ذكرتني طريقة تلك الإستجوابات بأجهزة الأمن السورية في بلدي. لقد استُجوبتُ من قبلهم أيضاً ، وهم أيضاً ليسوا لطفاء كزملائهم السويديين»، كما يقول ”بافي نازي”، البالغ من العمر 80 عامًا، عبر الهاتف من منزله خارج موسكو.
عندما بُرِّئ ”بافي نازي” من شبهات الشرطة، طلب استعادة جواز سفره وسحب طلب لجوئه. واضطرّ إلى شرح رغبته الشديدة في العودة إلى الاتحاد السوفيتي طواعية أكثر من مرة لمسؤولي دائرة الهجرة ً
يقول ” بافي نازي”
«لم أكن أرغب في البقاء. لأنني تأكدت بأنني لو بقيت في السويد وأخبرت أيّ شخص سويدي، لا على التعيين، بأنني كردي، فلسوف يدير ظهره لي و ينصرف عني فورًا»،.
منذ يوليو/تموز 1986، كان هانز هولمر يُخطط لعملية “ألفا”. كان الهدف منها أن تكون ذروة التحقيق في قضية حزب العمال الكردستاني، وأن تتخذ شكل هجوم صادم على المشتبه بانتمائهم للحزب. كانت الخطة تقوم على استخدام المداهمات كعنصرضغط لأجل الحصول على معلومات تُسهم في تقدم التحقيق. وهي طريقة تُشبه إلى حد ما تلك التي استخدمها الجنود في تركيا لدى المداهمات على قرية والدتي هيفي.
وصف النقاد والخبراء القانونيون عمليات الاعتقال وتفتيش المنازل والتنصت التي سبقت العملية بأنها خارجة عن القانون.
في يناير/كانون الثاني 1987، قبيل انطلاق عملية “ألفا”، استُدعي ”كيا إيزول”، مع آخرين من جمعية الرابطة الوطنية الكردية، إلى اجتماع مع وزير الهجرة آنذاك، ”جورج أندرسون”. في هذا الإجتماع أعطى الوزير انطباعًا بأنه دعا إلى الاجتماع لبحث سبل اتخاذ الحكومة إجراءات للحد من خطر امتداد التحقيق الجاري في قضية حزب العمال الكردستاني وتأثيره على الشعب الكردي عمومًا. شعر إيزول بأن الغرض الحقيقي من الاجتماع هو أن تقوم الحكومة بتقييم الوضع وتكوين رأي حول كيفية رد فعل الأكراد على عملية شاملة واسعة النطاق.
يقول إيزول: ” أوضحت للوزير بأننا نشعر بالحزن لاغتيال رئيس الوزراء. كما أكدتُ بوضوح أنه بات من الصعب للغاية العيش في بيئة تُتهم فيها جماعة عرقية بأكملها وتُضطهد يوميًا” و يضيف قائلاً: ” رسالتي تلك أوضحت بأن حدود تسامحنا قد بلغ ذروته”.
في 20 يناير/كانون الثاني 1987، في الصباح الباكر، بعد أيام قليلة من دعوة الوزير للإجتماع مع الرابطة الوطنية الكردية بدء بتنفيذ ”عملية ألفا”. إنطلقت الشرطة بكل قوتها تعبث في كل مكان. وبعد إنتهاء المداهمات استتبت الأمورللشرطة من خلال إلقاء القبض على نحو 25 شخصًا. إلا أن العملية باءت بالفشل من خلال الإفراج عن الموقوفين من قبل المدعي العام في وقت لاحق من نفس اليوم. لم يُعثر على أي شخص متورط في اغتيال رئيس الوزراء. كانت الكارثة حقيقة واقعة.
النتائج والاستنتاجات
”هانز-غونار أكسبرغر” أستاذ في القانون الدستوري ومؤلف كتاب “اغتيال رئيس الوزراء” الحائز على جوائز. يُحلل ”هانز-غونار أكسبرغر” في كتابه عملية التحقيق في قضية بالمه بتفصيل دقيق. و بصفته السكرتير الرئيسي للجنة التحقيق الحكومية في قضية بالمه، يُعتبر” أكسبرغر” خبيرًا مرموقًا في هذا الموضوع.
يقول ” أكسبرغر”
– الدولة السويدية عمومًا لا تُحسن الاعتراف بأخطائها، وتُفضل الاعتماد على مرور الوقت. وقد تم التوصل إلى تسوية غير مباشرة في محاكمة التنصت، حيث وُجهت اتهامات بالتنصت غير القانوني إلى عدد من رؤساء الشرطة، بمن فيهم ”هولمر”. وبالنظر إلى الماضي، بات من المعروف أن جهاز الأمن السويدي (سابو) أجرى مراقبة مكثفة لكل من حزب العمال الكردستاني والأكراد عمومًا، وهو أمر لم يُحقق فيه بشكل صحيح.
و يكتب أكسبرغر في كتابه: ” أنه خلال الفترة التي كانت فيها قضية حزب العمال الكردستاني ذات أهمية
، كان يكفي أن يكون المرء كرديًا وأن يكون في المكان الخطأ ليتم اعتقاله. هذا ظلمٌ لأن أبرياءً يتضررون، كما أنه غير فعال. إن شنّ حملة واسعة النطاق لترهيب الناس ودفعهم إلى الإبلاغ عن بعضهم البعض أسلوبٌ غير مقبول”.
عندما انتهت عملية ”ألفا” نهائياً بنوع من الأنين الباهت، وأطلق المدعون العامون سراح نحو عشرين شخصًا ممن اعتُقلوا، بقي السؤال مطروحًا: هل بقي شيءٌ يستحق التحقيق في قضية حزب العمال الكردستاني؟
لقد راجعوا كامل ملفات حزب العمال الكردستاني الضخمة، وخلصوا إلى عدم وجود أي دليل. في رأيي، تُعدّ مسألة تورط حزب العمال الكردستاني في هذه القضية الأكثر بحثًا في هذا التحقيق”.
أُغلقت قضية حزب العمال الكردستاني. كان الشكّ العام والمعاملة الجائرة من السلطات مُدمّرين للأكراد في السويد. شعر الكثيرون وكأنهم يُعيدون التعرض إلى ما فرّوا منه: فرارهم من العقاب الجماعي بسبب إنتماءهم القومي الكردي.
تقول والدتي هيفي: “بعد إغتيال بالمه شعرنا وكأننا نفتقر إلى الحماية. كان ”بالمه” من بين القادة القلائل في العالم الذين أظهروا لنا دعمهم علنًا. لم يُفقدنا موته إياه فحسب، بل سلَبنا أمننا أيضًا.عقودٌ من الشكّ أدّت إلى تنامي الانقسامات بين الكرد في الشتات. الشكوك بالكرد من قبل الأغلبية السائدة من المجتمع بدأت تنتقل إلى صفوف الجماعات الكردية نفسها، و بدأت تفقد هويتها الجماعية التي كانت تستمد قوتها منها”
وتختتم هيفي حديثها قائلة: “السويد ليست دولة بلا قانون. لكننا نحن الأكراد ندرك، ربما أكثر من غيرنا، مدى هشاشة حقوق الجميع وأهمية حمايتها”.
========
روني حاجو
جميع الأحداث التي جرى ذكرها هنا هي معتمدة على إتصالات هاتفية جرت مع الأشخاص الواردة أسمائهم في هذا المقال و الذين عايشوا الأحداث في تلك الفترة.
========
مجلة السياسة/ الثامن والعشرين شباط 2026