من ركن الدين إلى كوردستان.. قصة أول شهيد لنوروز

شــــريف علي 

في الحادي والعشرين من آذار عام 1986، خرجت دمشق عن صمتها المعتاد، وامتلأت شوارعها بأنفاس شباب كورد أرادوا إحياء عيدهم العريق، استمراراً لمسيرة تمتد لآلاف السنين. لم يحملوا سوى رغبتهم في الاحتفال، ولم يرفعوا إلا شعلة الحرية وآلات موسيقية كوردية تنبض بالحياة، لكن السلطة يومها رأت في ذلك كله تهديداً يستوجب القمع.

وسط ذلك المشهد المتوتر، كان شاب في الثامنة عشرة يشق طريقه بين الجموع بثبات لافت. كان محمد أمين آدي، القادم من كوردستان وهو يحمل في قلبه روح الكوردايتي، يقف في قلب العاصمة السورية التي اعتادت خنق الأصوات المختلفة. بدا كأنه يدرك أن اللحظة ليست مجرد احتفال، بل امتحان لكرامة شعبٍ حُرم طويلاً من التعبير عن ذاته. لم يكن يبحث عن بطولة، ولم يتخيل أنه سيغدو رمزاً، لكنه اختار أن يقف إلى جانب عشرات الآلاف من الكورد في دمشق، معلناً أن نوروز ليس مناسبة عابرة، بل ذاكرة وهوية وحق لا يمكن مصادرته.

وعندما واجهت الجموع الكوردية بقرارموحد ومتجاوزة الأطر الحزبية ،آلة القمع البعثية وهي في ذروة سطوتها، كان محمد أمين أول من ارتقى شهيداً، ليصبح أول شهيد كوردي في كوردستان سوريا يسقط دفاعاً عن نوروز، وعن حق شعبه في الحفاظ على تراثه دون خوف.

لم يكن استشهاده حدثاً عابراً، بل محطة مفصلية كشفت هشاشة القوة أمام إصرار الناس على البقاء. حاولت السلطة يومها طمس المعنى، فحوّلت يوم 21 آذار إلى عطلة رسمية تحت اسم عيد الأم، رغم أن هذا العيد كان مقرراً في سوريا منذ خمسينيات القرن الماضي في الثالث عشر من أيار. كانت محاولة لتغيير الذاكرة وتبديل الرموز، لكن الشعوب التي تعرف جذورها لا تُضلل بسهولة.

استمر الكورد في الاحتفال بنوروز، وبقي اسم محمد أمين يتردد كل عام، كأنه الشعلة التي لم يستطع الرصاص إخمادها. مرت السنوات وتبدلت الوجوه، لكن ذكرى محمد أمين آدي بقيت ثابتة، تذكّر كل من يسمعها بأن الحرية تبدأ من لحظة رفض الخضوع، وأن الانتماء الذي يُروى بالدم لا يمكن محوه.

وفي كل نوروز، حين تتوهج النيران فوق الجبال وفي الساحات، يعود اسمه ليضيء، كأن روحه ما زالت تمشي بين المحتفلين، تبتسم لهم، وتؤكد أن الطريق الذي بدأه ما زال ممتداً. إن إحياء ذكرى محمد أمين ليس مجرد استعادة لواقعة تاريخية، بل وفاء لروح آمنت بأن الاحتفال حق، وأن نوروز ليس مناسبة عابرة، بل إعلان دائم بأن هذا الشعب حيّ، وأن الحقيقة تبقى أقوى من كل محاولات الطمس.

هكذا يستمر محمد أمين في الذاكرة، لا كشاب رحل مبكراً، بل كشعلة خالدة تذكر الجميع بأن الحرية تولد أحيانا من قلب المنع، وأن الشعوب التي تدافع عن حقها في الاحتفال، إنما تدافع عن حقها في الوجود.

==================================20 آذار 2026 =======

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحيم حسن من السهل تحميل الاحزاب الكوردية في روآڤايي كوردستان مسؤولية الاخطاء وماآلت اليه الاوضاع كما انه من السهل اتهام الشارع الكوردي بالتقاعس واللامبالاة ولكن في الحقيقة الازمة التي تعصف بالمجتمع اكثر تعقيداً فهي نتيجة تراكمات واخطاء مشتركة بين الاحزاب السياسية والنخب الاجتماعية والثقافية والمجتمع نفسه.   لاشك ان الاحزاب الكوردية تعاني من ضعف واضح من حيث التاثير والحضور الشعبي….

إبراهيم اليوسف ها قد دخلت الاحتجاجات يومها السابع، واستطاع المحتجون المشغولون بأهلهم من المواطنين، من دون تفريق، أو بحث عن: وجاهة أو جاه، خلال أسبوع كامل أن يثبتوا أن المطالبة بحق المواطن في الرغيف حين تخرج إلى الشارع فهي أبعد من أن تكون صدى لمجرد جوع، لأنها تعكس أسئلتها الكبرى. أسئلة الكرامة، إنها نتاج تاريخ كامل من…

شادي حاجي بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام، تقف سوريا أمام لحظة مفصلية لإعادة تعريف شكل الدولة ونظامها السياسي. وبين أولويات الأمن وإعادة الإعمار واستعادة الاستقرار، يبرز سؤال لا يقل أهمية: ما هو شكل الحكم الذي يُراد لسوريا أن تتجه إليه؟ وهل يمكن الحديث عن بناء دولة ديمقراطية من دون حياة حزبية فعلية؟ صدر الإعلان الدستوري المؤقت بوصفه إطاراً…

د. محمود عباس تحريف قصيدة عدي بن زيد وتعويم الذاكرة الساسانية وفي السياق نفسه يمكن قراءة صعود البرامكة ثم نكبتهم سنة 187هـ / 803م في عهد هارون الرشيد. فالبرامكة، وإن جرى تقديمهم غالبًا بوصفهم عائلة فارسية من بلخ، كانوا في جوهرهم جزءًا من بقايا البيوتات الإدارية والسياسية والثقافية التي ورثت شيئًا من تقاليد الحكم في المجال الساساني الأوسع. ومن هنا…