لماذا استهداف كوردستان والخليج؟!

يونس حمد – أوسلو

مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، ولا سيما خلال السنوات الأخيرة، بين القوى والفصائل المتنازعة، تتجه تداعيات هذه الصراعات – في المقام الأول – نحو السكان المدنيين المسالمين. وفي خضم هذه الأزمات، يبرز تساؤل ملحّ: لماذا يُستهدف إقليم كوردستان ودول الخليج العربي، رغم ما يتمتعان به من استقرار نسبي؟

تشير الوقائع إلى أن إقليم كوردستان ودول الخليج باتا ضمن دائرة الاستهداف، لا سيما من قبل إيران والميليشيات المرتبطة بها. صحيح أن القوى المتصارعة تخوض نزاعاتها لتحقيق أهداف سياسية أو استراتيجية، لكن استهداف مناطق آمنة ومستقرة يظل أمرًا يثير الكثير من علامات الاستفهام.

منذ عام 2003، شكّل إقليم كوردستان عامل استقرار مهم في المنطقة، ونجح في تحقيق تقدم ملحوظ على الصعيدين الاقتصادي والبشري. كما غدا نموذجًا يُحتذى به في التعايش السلمي بين مختلف القوميات والأديان والطوائف، وملاذًا آمنًا للفارين من ويلات الحروب.

أما دول الخليج العربي، فقد رسّخت مكانتها كواحات للاستقرار والتعايش، وابتعدت – إلى حد كبير – عن بؤر الصراع، لتغدو في الوقت ذاته مراكز حيوية في الاقتصاد العالمي. ومع ذلك، لم تسلم مدن مثل أربيل والسليمانية، بجمالهما وبناهما التحتية الحيوية، من الاستهداف، شأنها في ذلك شأن مدن خليجية كأبوظبي ودبي والدوحة والمنامة والكويت ومسقط والرياض، التي تُعرف باستقرارها وأمنها وسياساتها المتزنة.

ومن المهم استحضار دروس الماضي؛ فقبيل الحرب العراقية الإيرانية، وبعد الثورة الإيرانية عام 1979، اندلعت حرب مدمرة استمرت ثماني سنوات. وخلال تلك الحقبة، تكبّد الشعب الكوردي معاناة جسيمة، تمثلت في حملات الأنفال والهجمات بالأسلحة الكيميائية وغيرها من المآسي، على يد أطراف متعددة. كما لم تكن دول الخليج بمنأى عن تداعيات الصراعات، إذ عانت بدورها بسبب موقعها الجغرافي والاستراتيجي، وكان أبرز تلك الأحداث الغزو العراقي للكويت.

اليوم، تبدو الحاجة ملحّة لأن تعيد الأطراف المتنازعة النظر في سلوكها، وأن تمتنع عن نقل صراعاتها إلى المناطق الآمنة. فاستمرار استهداف هذه المناطق لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمات، وتأجيج الكراهية، وتقويض ما تبقى من قيم التعايش والسلم في الم.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

اكرم حسين الحديث عن مسؤولية «الكرد» عن ممارسات قوات سوريا الديمقراطية، وتحميلهم جماعياً نتائج سياسات وممارسات هذه القوة، هو خلط سياسي وأخلاقي لا يخدم الحقيقة ولا وحدة البلاد. أولاً: قسد لم تدّعِ يوماً أنها تمثّل الكرد السوريين ، ولم تكن مفوضة بالحديث باسمهم. بل إن مشروعها السياسي، منذ نشأته، قام على مفهوم «الأمة الديمقراطية»، وهو تصوّر عابر للهويات…

عبدالباقي اليوسف تقتضي لحظات التحول التاريخية في الشرق الأوسط نظرة واقعية تفكك المشهد بعيداً عن الشعارات المستهلكة؛ وما يشهده الإقليم اليوم من تسارع محتدم للأحداث—من الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران إلى إعادة رسم خرائط النفوذ—ليس مجرد تفاصيل منفصلة، بل تجلٍّ لإعادة ترتيب واسعة لموازين القوى. وفي قلب هذه العاصفة، يأتي الموقف التركي الراهن تجاه القضية الكوردية ليرسم علامات استفهام كبرى؛ موقفٌ…

عبد الجابر حبيب لا أدري لماذا تسلل إلى ذهني مسلسل “صح النوم”، وبالتحديد ذلك المشهد الذي يحاول فيه حسني البرظان كتابة مقالته الشهيرة. يبدأ بثقة: “إذا أردنا أن نعرف ماذا يجري في إيطاليا، فعلينا أن نعرف ماذا يجري في البرازيل.” ثم يتكفل غوار بإفساد كل شيء، فلا يكتمل المقال؛ لأن الواقع المؤلم الذي يعيشه كاتب المقال كان أثقل من أن…

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثانية: ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان… من الفكرة إلى المبادرة إذا كان تكرار الاعتداءات على إقليم كوردستان قد أصبح تهديدًا للاستقرار، وإذا كانت بيانات الإدانة لم تعد كافية لردعها، فإن السؤال الطبيعي الذي يطرح نفسه هو: ما البديل؟ البديل، برأيي، هو فتح نقاش دولي جاد حول إنشاء ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان، أو إطلاق مبادرة أممية…