بين بغداد وأربيل: من يملك النفط؟

عدنان بدرالدين

في خضم التطورات الأخيرة التي شهدت انتقالًا سريعًا من التصعيد إلى التوافق بين بغداد وأربيل حول استئناف تصدير النفط، يتضح أن القضية لم تكن يومًا مجرد خلاف تقني حول أنبوب أو مسار، بل تعبير عن سؤال أعمق يتعلق بطبيعة العلاقة بين المركز والإقليم، وحدود ما يمكن أن يُدار بشكل مركزي، وما يُفترض أن يُدار في إطار الشراكة.

في الأيام التي سبقت الاتفاق، بدا أن الحكومة الاتحادية تتجه نحو البحث عن بدائل لا تمر بإقليم كردستان، مستندة إلى قراءة دستورية تؤكد مركزية قرار التصدير. غير أن التطورات اللاحقة، والاتفاق الذي أعاد تفعيل أنبوب الإقليم–جيهان، أظهرت أن هذا المسار لم يكن قابلًا للتحقق عمليًا في المدى القريب.

هذا التحول لا يمكن فهمه فقط في إطار التفاوض السياسي، بل يعكس واقعًا بنيويًا أعمق: أن البنية النفطية في العراق باتت موزعة فعليًا، حتى وإن ظل الخطاب الرسمي يميل إلى المركزية.

فالاتفاق الذي تم التوصل إليه يقوم على معادلة واضحة:

تصدير النفط يتم عبر أنبوب إقليم كردستان

بينما تعود الإيرادات إلى الخزينة الاتحادية

وهنا تظهر مفارقة لا يمكن تجاهلها:

السيادة على الموارد تبدو موحدة نظريًا، لكنها موزعة عمليًا بين أكثر من مستوى.

من جهة إقليم كردستان، جاء القبول باستئناف التصدير في سياق التأكيد على “المسؤولية الوطنية” والحاجة إلى مواجهة الأزمة المالية التي تضغط على عموم العراق. وفي الوقت نفسه، لم يُطرح هذا القبول بمعزل عن الملفات العالقة، بل ضمن استمرار التفاوض حول القضايا المالية والاقتصادية، بما في ذلك الرواتب والقيود المفروضة على الحركة التجارية.

هذا التوازن في الموقف يعكس إدراكًا بأن الانخراط في الحل لا يعني التخلي عن الحقوق، بل محاولة إدارتها ضمن ظرف استثنائي.

في المقابل، وجدت بغداد نفسها أمام معادلة صعبة: الحاجة إلى استئناف التصدير بشكل عاجل في ظل توقف فعلي للصادرات، مقابل محدودية البدائل المتاحة خارج إطار الإقليم. فحتى الخطوط التي يجري الحديث عنها، لا تزال في حدود قدرات جزئية، ولا يمكنها أن تعوض بالكامل المسارات القائمة.

إلى جانب ذلك، لا يمكن تجاهل العامل الدولي، حيث جاء الاتفاق في ظل دعم واضح من الولايات المتحدة، التي أكدت على أهمية التعاون بين الطرفين لضمان استقرار تدفق الطاقة. هذا الحضور لا يعني بالضرورة فرض حلول، لكنه يعكس حجم الضغط الخارجي باتجاه التوافق، خاصة في ظل حساسية سوق الطاقة العالمية.

وعلى المستوى الداخلي، اكتسب الاتفاق بعدًا إضافيًا مع الترحيب السياسي به، سواء من قوى عراقية دعت إلى الحوار، أو من أطراف كردية اعتبرته خطوة إيجابية نحو استعادة مسار التصدير وتحسين الأوضاع الاقتصادية، خاصة في مناطق مثل كركوك التي ترتبط بشكل مباشر بهذا الملف.

لكن رغم هذا التوافق، فإن ما جرى لا يمثل حلًا نهائيًا بقدر ما هو إدارة مؤقتة للأزمة. فالقضايا الأساسية التي تقف خلف هذا الملف—من توزيع الصلاحيات، إلى آليات إدارة الموارد، إلى طبيعة الشراكة المالية—لا تزال قائمة، ولم تُحسم بشكل نهائي.

وهنا تتضح المسألة في جوهرها:

الخلاف لا يدور حول النفط بحد ذاته، بل حول من يملك سلطة القرار في إدارته، وكيف تُوزع هذه السلطة داخل الدولة.

في هذا السياق، لا يبدو أن أي طرف قادر على احتكار هذا القرار بشكل كامل. فبغداد تحتاج إلى البنية التحتية التي يوفرها الإقليم، والإقليم بدوره لا يعمل خارج إطار الدولة الاتحادية. وبين هذين الواقعين، يتشكل نمط من الاعتماد المتبادل الذي لا يمكن تجاوزه بسهولة.

لذلك، فإن السؤال الأهم لم يعد: من يملك النفط؟

بل: كيف يمكن إدارة هذا المورد المشترك دون أن يتحول إلى مصدر دائم للأزمات؟

في النهاية، قد تُفتح مسارات جديدة، وقد تتغير موازين التفاوض من مرحلة إلى أخرى، لكن ما لم يتم التوصل إلى صيغة مستقرة تعكس روح الشراكة الدستورية بشكل عملي، فإن الأزمات ستستمر في الظهور، بأشكال مختلفة، حول نفس النقطة.

وبين بغداد وأربيل، لا يبدو أن الطريق إلى النفط يمر عبر الجغرافيا وحدها، بل عبر اتفاق سياسي لم يُنجز بعد بشكل كامل.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ماهين شيخاني   مقدمة: ليست مجرد لافتة هل يمكن أن تكون لوحة معدنية معلقة على جدار مبنى حكومي سبباً لأزمة سياسية طاحنة؟ في الحسكة، المدينة التي عرفت كل أنواع الصراعات، كان الجواب: نعم. ما جرى في الأيام القليلة الماضية حول القصر العدلي في الحسكة لم يكن مجرد “تغيير لافتات”، ولا خلافاً إدارياً عابراً بين موظفين. كان معركة هوية مكشوفة، وجولة…

د . مرشد اليوسف التصعيد المؤسف حول اللوحة التعريفية للقصر العدلي بالحسكة يعكس واقعاً معقداً، حيث يبدو أن طرفي النزاع لا يرغبان بالجلوس لحل جذري للمشكلة . والخلاف لم يعد مجرد خلاف على لافتة، بل تحول إلى رمز لصراع سياسي أعمق، مما يجعله عرضة لاستغلال أطراف قد لا تريد نجاح عملية التفاهم والإندماج السلس . ولفهم سبب عدم الحل ،…

كردستان يوسف إنه لأمر مدهش كيف تتحول أبسط مقومات الوجود الإنساني في سوريا الى صراع، وكيف يصبح حق اللغة موضع جدال، وقضية يتم النظر إليها ضمن ازدواجية غريبة، فبينما تعتبر اللغة العربية ثوابت وطنية مقدسة، ينظر إلى اللغة الكردية نظرة دونية، فكيف وبعد أكثر من عقد من التعليم باللغة الكردية تطالب الحكومة المؤقتة في دمشق بإلغاء هذا النظام وإدراج اللغة…

شادي حاجي في لحظة سياسية يُفترض أنها تؤسس لسوريا جديدة بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام، عاد الجدل مجدداً حول طبيعة الدولة السورية المقبلة: هل ستكون دولة مواطنة وشراكة حقيقية بين مكوناتها القومية والدينية والطائفية، أم مجرد إعادة إنتاج للدولة المركزية القديمة بصياغات أكثر ليونة إلى حدٍّ ما؟ هذا السؤال عاد بقوة بعد صدور المرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026،…