شادي حاجي
أثار رحيل توماس براك من موقعه كمبعوث للرئيس الأمريكي إلى سوريا اهتماماً واسعاً في الأوساط السياسية السورية عموماً والكردية خصوصاً، نظراً للدور الذي لعبه خلال المرحلة الماضية في مقاربة واشنطن للملف السوري، وخاصة ما يتعلق بمستقبل القضية الكردية.
فبالنسبة لقطاع واسع من النخب والقوى السياسية الكردية، ارتبط اسم براك بسياسة هدفت إلى خفض سقف التطلعات الكردية وإعادة صياغة القضية الكردية ضمن إطار أمني وإداري ضيق، بعيداً عن جوهرها باعتبارها قضية شعب يعيش على أرضه التاريخية ويطالب بحقوقه القومية والسياسية المشروعة. ومن هذا المنطلق، لم تُستقبل مواقفه باعتبارها مجرد تعبير عن حرص أمريكي على وحدة سوريا، بل كجزء من مقاربة سياسية سعت إلى احتواء المشروع السياسي الكردي وإفراغه من مضمونه القومي.
لقد قدم الكرد في سوريا خلال السنوات الماضية تضحيات جسيمة في مواجهة تنظيم داعش، وشكلوا أحد أهم شركاء التحالف الدولي في الحرب ضد الإرهاب. وكان من المتوقع أن تفضي تلك التضحيات إلى مقاربة دولية أكثر تفهماً لحقوقهم ومطالبهم السياسية. إلا أن المواقف التي ارتبطت باسم براك بدت، في نظر كثير من الكرد، بعيدة عن هذا التوجه، حيث ركزت بصورة أساسية على ضرورة دمج القوى والمؤسسات الكردية ضمن الدولة السورية من دون توفير ضمانات واضحة تتعلق بالاعتراف الدستوري بالحقوق القومية للشعب الكردي.
غير أن تقييم هذه السياسات يطرح سؤالاً محورياً: هل كانت هذه المواقف تعبيراً عن قناعات شخصية لتوماس براك، أم أنها انعكاس مباشر لأولويات السياسة الأمريكية في سوريا؟ فمن المعروف أن المبعوثين الأمريكيين يعملون ضمن أطر تحددها المؤسسات السياسية والأمنية في واشنطن، وأن هامش حركتهم يبقى مرتبطاً بالأهداف الاستراتيجية العامة للإدارة الأمريكية. وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى جزء كبير من هذه المواقف بوصفها تعبيراً عن سياسة أمريكية سعت إلى الحفاظ على وحدة الأراضي السورية، ومنع عودة تنظيم داعش، وإدارة التوازنات الإقليمية الحساسة، ولا سيما العلاقة مع تركيا.
ومع ذلك، فإن أسلوب الخطاب السياسي وطريقة إدارة الملف من قبل براك دفعا بعض الأوساط الكردية إلى الاعتقاد بأن الرجل كان يميل إلى تضييق البعد السياسي للقضية الكردية وحصرها ضمن ترتيبات إدارية وأمنية، الأمر الذي عزز الشعور بأن الطموحات السياسية الكردية لا تحظى بتمثيل كافٍ في الرؤية المطروحة. ووفق هذا التصور، فإن رفض أي صيغة تمنح خصوصية دستورية واضحة للمناطق الكردية بدا بالنسبة للمنتقدين أقرب إلى انسجام مع الهواجس الإقليمية، خصوصاً الهواجس التركية، منه إلى استجابة لحقوق سياسية داخلية.
ومن بين أبرز الانتقادات التي وُجهت إليه أنه تعامل مع القضية الكردية بوصفها ملفاً ينبغي احتواؤه ضمن تفاهمات إقليمية ودولية، لا باعتبارها قضية حقوق قومية تستوجب حلاً دستورياً عادلاً ومستداماً. كما رأى منتقدوه أن الدفع باتجاه دمج المؤسسات العسكرية والإدارية الكردية ضمن مؤسسات الدولة السورية، من دون ضمانات سياسية واضحة، يعني عملياً إعادة ترتيب ميزان القوة دون تقديم اعتراف سياسي متكافئ.
في المقابل، دافع مؤيدو هذا النهج عن ضرورة الحفاظ على وحدة الدولة السورية ومنع انزلاق البلاد نحو مزيد من التفكك أو الصراعات. غير أن هذا الطرح بقي محل جدل، إذ يعتبره معارضوه غير كافٍ ما لم يترافق مع معالجة جذرية لمسألة الحقوق السياسية والدستورية للمكونات القومية والدينية والطائفية.
وفي هذا السياق، برز موقف قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي بوصفه موقفاً براغماتياً يسعى إلى الموازنة بين الشراكة العسكرية مع التحالف الدولي من جهة، والانفتاح على حل سياسي مع دمشق من جهة أخرى. فقد أكد عبدي في أكثر من مناسبة تمسكه بوحدة سوريا، وفي الوقت نفسه دعا إلى صيغة دستورية ضمن إطار لا مركزي يتيح مشاركة حقيقية في إدارة البلاد.
ورغم هذا التوجه التفاوضي، لم يدخل عبدي في مواجهة مباشرة مع براك أو مع السياسات الأمريكية، لكنه حافظ على مساحة واضحة للمطالبة بضمانات سياسية تتجاوز الطروحات الأمنية أو الإدارية الضيقة، ما يعكس طبيعة علاقة تقوم على التعاون العسكري مع استمرار التباين السياسي حول شكل الحل النهائي حيث صرح من خلال لقاء إعلامي بأن الاتفاق الذي تم توقيعه بينه وبين رئيس السلطة الانتقالية في دمشق بأنها كانت سورية سورية دون تدخل وحضور من أي طرف خارجي .
إن سنوات الأزمة السورية أظهرت أن معالجة الملفات القومية بمنطق أمني صرف لم تؤدِ إلا إلى تعقيد المشهد وإطالة أمد الصراع. ومن هنا، فإن أي تسوية مستقبلية لا تتضمن اعترافاً واضحاً بحقوق الشعب الكردي وبقية المكونات، ستظل عرضة للهشاشة وعدم الاستقرار.
ويبقى السؤال المطروح: هل يشكل رحيل توماس براك بداية لتغير في المقاربة الأمريكية تجاه القضية الكردية في سوريا، أم أنه مجرد تغيير في الأشخاص ضمن سياسة عامة لم تتبدل جوهرياً؟ فبينما يرى البعض أن رحيله يطوي مرحلة اتسمت بمحاولات تقليص سقف المطالب السياسية الكردية، يرى آخرون أن جوهر السياسة الأمريكية ما زال محكوماً باعتبارات استراتيجية أوسع من الأفراد.
وفي كل الأحوال، يبقى مستقبل القضية الكردية مرتبطاً بمدى استعداد القوى الدولية والإقليمية للاعتراف بها كقضية سياسية ودستورية، لا كملف أمني أو تفصيل إداري، وبمدى قدرة السوريين أنفسهم على بناء صيغة دولة تقوم على الشراكة والمواطنة المتساوية والعدالة بين جميع مكوناتها.