جدلية الثوابت المبدئية والمناقصات

صلاح بدرالدين

  دأب البعض على الاستمرار في لوي عنق الحقيقة  والتفسير الخاطئ لحركة التاريخ ، هذا البعض يختار الهجوم الظالم كوسيلة للدفاع عن الباطل ، يضع اللوم في ماوصلت اليها الحالة الكردية السورية على من تمسك بالمبادئ ، والثوابت في حل القضية الكردية ، على من أثبت للسوري ، والعربي ، والعالمي ان هناك شعب يعيش على أرض الإباء ، والاجداد ، من سكان سوريا الأصليين ، شعب محروم من جميع الحقوق التي يشملها المبدأ الإنساني الكوني – حق الشعوب بتقرير المصير – حيث تحررت المئات من شعوب العالم على هديه ، على من أبطأ أو أوقف  أو أفشل ( لايهم )  مشروع البعث الحاكم بسوريا لأكثر من نصف قرن في تهجير الكرد الى الداخل والخارج ، واعتبارهم أقلية مهاجرة ، معتمدا في ذلك على تيار حزبي كردي داخل صفوف الحركة الكردية السورية ، وهو أسلوب اتبعه نظام البعث في سوريا والعراق ، لاختراق الحركة من الداخل ، وتنفيذ مخطط – تكريد – الصراع ، بدلا من الصراع بين الكرد كشعب وقضية وحركة من جهة والأنظمة الشوفينية المستبدة من الجهة الأخرى .

  هذا البعض الذي يناقض نفسه ومنذ عقود كان يعتبر أصحاب المبادئ ، والمسلمات الثابتة أو حسب تعريفه – المتطرفون – الذين تسببوا في تراجع الحركة الكردية  ؟! ماهم الا مجموعات صغيرة لاتأثير لها ، فكيف بهذه المجموعات الصغيرة ان تغير من موازين القوى ، وتتحكم بمصير شعب وقضية ؟ وكيف بهذه المجموعات الصغيرة أن تؤلب الدوائر الشوفينية ؟ وهل كان حزب البعث ديموقراطيا عادلا يقف مع حق الشعوب ثم جاءت مجموعة متطرفة لتغير نهجها ؟ .

  فلنتناول الموضوع بشكل مباشر ونتساءل بصورة معاكسة : اذا كان المتطرفون مجموعة فعلت فعلها ثم اندثرت ، فماذا عن غير المتطرفين ، او المعتدلين ، او الواقعيين في الحركة الكردية السورية الذين كانوا يسيطرون على الشارع الكردي ؟ ، وتلتف حولهم الجماهير ؟ حسب زعم هذا البعض ،  وينسجون العلاقات مع أجهزة النظام ، ويشهدون زورا ان الكرد اقلية مهاجرة جاءت من – سري ختي الى بني ختي –  وليسو شعبا ، ويقفون في صف النظام دائما وابدا ، ويقومون بجزء من وظيفة النظام في مواجهة المتطرفين إعلاميا ، وبينهم من أبدى الندامة لانه لم يلتق بالسيد الرئيس بشار الأسد ؟! ماذا عنهم وماذا قدموا للكرد ؟ وماذا عن مسؤوليتهم في تفتيت وانقسام الحركة الكردية ؟ ماذا عن ادوارهم في التبعية للمحاور الخارجية ؟ .

 هناك دائما في قضية أي شعب ثوابت ومسلمات مبدئية لاتهتدي بها الحركة السياسية فحسب بل تتمسك بها ، ومن المعروف ان حركات الشعوب التحررية وخاصة منذ بداية القرن التاسع عشر تنطلق منها في المطالبة بالحقوق المشروعة ، وقد عززها موقف الرئيس الأمريكي – تيودور ويلسون – ، وتبنيها من جانب عصبة الأمم ثم هيئة الأمم المتحدة في ميثاقها ، كما اتخذتها ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى دليلا نظريا في مسألة حرية الشعوب ، والحركة الكردية عموما تنتمي الى حركات التحرر ، ومازالت جزء منها بغالبيتها العظمى ، ولان الحركة الكردية السورية لها خصوصيتها فانها تملك هامشا من التميز بين أقرانها ، وقد شخصنا ذلك منذ كونفرانس الخامس من آب ١٩٦٥ من جهة النضال السياسي الجماهيري السلمي بعيدا عن نهج الكفاح المسلح ، والتوازن بين القومي والوطني ، والانطلاق من مقولة حق تقرير المصير كمبدأ ، وعدم اقتصاره على إقامة الدولة المستقلة لاسباب موضوعية ، بل إمكانية خيارات أخرى في اطار الدولة السورية الواحدة ( فيدرالية – حكم ذاتي – لامركزية – إدارة محلية – دوائر قومية ) ، ثم الحل التوافقي عبر الحوار مع النظام الديموقراطي ، وربط ذلك كله بمابعد إعادة بناء وتوحيد الحركة الكردية ، واستعادة شرعيتها من خلال المؤتمر الجامع ، حينها يمكن لقيادة الحركة ان تناور ( وتشتغل سياسة ) وهي واثقة من نفسها ومن دعم شعبها ، وهذا هو عين الواقعية السياسية ، بمعزل عن أي تطرف او مغالاة . 

  العلة ليست بالنهج الثابت المبدئي الذي يشكل صمام الأمان بالمراحل الصعبة ، ولم ولن يكون يوما سببا للأزمة ، والتراجع ، بل الخطر الأكبر على حركتنا منذ نشوئها وحتى اليوم هي ( المناقصات ) خاصة اذا كانت منسقة مع أجهزة الأنظمة والحكومات ، ولدى حركتنا ارث سلبي في هذا الجانب كانت حقبة – محمد منصورة – الأكثر تعبيرا فيها ، كما نواجه الآن بعد نفاذ معادلة – الاستقطابات -الحزبية الثنائية ، وسقوط نهج مساومات المحاصصة من اتفاقيات  أربيل – دهوك ، انتهاء باخفاقات مخرجات كونفرانس القامشلي ، والسقوط المدوي – لقسد – ومسلسل – الدمج – الوظيفي ،وهرولة – الانكسي – لنيل أي شيئ ماعدا حل القضية الكردية ، انه مشهد درامي يجسد – المناقصة – باوضح صورها  .

  لايحتاج الامر الى فوضى ” ثقافية ” جديدة تضاف الى التردي الحاصل في ساحتنا ، وحان الوقت لتسمية الأمور بأسمائها ، وعدم الاختباء وراء المصطلحات المبهمة ، غالبية نخبنا توصلت الى قناعة بأن الازمة تعصف الآن بحركتنا بنيويا ، وفي الشكل والجوهر ، ولابد من معالجة جذرية ، والطريق الى تحقيق ذلك ليس سهلا ولكنه ليس مستحيلا أيضا ، والشرط الأول في ظروفنا السورية الخاصة لايجاد حل للقضية الكردية هو إعادة بناء حركتنا ، وتوحيدها ، واستعادة شرعيتها واستقلاليتها السياسية من خلال المؤتمر الجامع الذي سيقر المشروع الكردي للحل والسلام ، وينتخب من يمثل الحركة ويحاور العهد الجديد ، ومن حق أي حزب كردي ان ينضم الى المؤتمر المنشود ، او يقاطعه ، ولكن نرى ان المرحلة القادمة تتطلب حركة كردية واسعة تضم كل التيارات الفكرية ، والمواقف السياسية المتباينة ، تتفق على المشتركات وهي الأكثر ، وتتنافس ثقافيا في أجواء الحرية .

 

  

   

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبداللطيف محمد أمين موسى تُشير كافة التقارير والأبحاث والدراسات المتعلقة بالأمن الاستراتيجي والقومي، الصادرة عن أهم مراكز الأبحاث والدراسات وخبرائها، إلى إمكانية عودة التصعيد الشامل، وبصورة أكبر وأكثر تأثيراً، إلى المنطقة. كما تؤكد أن هذا التصعيد سيختلف عن حرب 12 يوماً وحرب 28 فبراير من حيث التأثير على أمن المنطقة وأمن الطاقة، بسبب تعقيدات هذه الأزمة، ولاسيما الأبعاد…

فيصل اسماعيل على امتداد العقود الماضية، لم تكن العلاقة بين الكرد وبعض عشائر الجوار العربية مجرد خلافات عابرة فرضتها ظروف سياسية مؤقتة، بل مرت بمحطات تركت جراحًا عميقة في ذاكرة أبناء المنطقة. فمنذ تطبيق مشروع الحزام العربي، مرورًا بأحداث قامشلو عام 2004، ثم سنوات الحرب السورية، تراكمت أحداث ساهمت في تعميق فجوة الثقة بين الجيران، ودفعت ثمنها جميع المكونات دون…

يتابع منتدى الكلمة الحرة بقلق بالغ الدعوات إلى إقامة خيمة حرب في بلدة الميلبية جنوب محافظة الحسكة، ويؤكد أن مثل هذه الخطوات لا تخدم مصلحة الوطن، بل تعيد إنتاج خطاب الصراع والانقسام في وقت يحتاج فيه السوريون إلى ترسيخ ثقافة الحوار والتعايش. لقد أنهكت سنوات الحرب أبناء سوريا جميعًا، وخلفت مآسي إنسانية وخسائر كبيرة، ولم يعد هناك ما يبرر العودة…

كفاح محمود في الطب، لا تُعد الحمى مرضًا بحد ذاتها، بل رسالة يبعثها الجسد ليقول إن شيئًا غير طبيعي يحدث في داخله، إنها إنذار مبكر، يعلن أن معركة تدور بين جهاز المناعة وسبب خفي، قد يكون فيروسًا أو بكتيريا أو التهابًا، لذلك لا ينشغل الطبيب بخفض الحرارة وحده، بل يبحث أولًا عن مصدرها، لأن اختفاء الحمى لا يعني دائمًا زوال…