المشاريع الناجحة بين الكفاءة والخصوصية المحلية

مسلم شيخ حسن – كوباني 

تتفق الأدبيات الإدارية والسياسية الحديثة على أن أي مشروع تنموي أو إداري لا يقوم على أسس مؤسسية متينة ومعايير واضحة للحوكمة الرشيدة يكون عرضة لعدم الاستقرار والفشل المحتمل. فنجاح المشاريع العامة لايقاس فقط بمرحلة انطلاقها بل بقدرتها على الاستدامة وتحقيق أهدافها في بيئة مستقرة تتسم بالكفاءة والمساءلة والانسجام مع الواقع الاجتماعي الذي تعمل فيه.

ومن هذا المنطلق، يعد مبدأ “الشخص المناسب في المكان المناسب” ركيزة أساسية في نظريات الإدارة العامة. وتؤكد التجارب المقارنة أن إسناد المسؤوليات إلى أشخاص ذوي خبرة مهنية ومعرفة متخصصة شرط أساسي للمؤسسات الفعالة. فالقيادة الإدارية ليست مجرد تمثيل رمزي بل هي عملية معقدة تتطلب مهارات تحليلية وقدرات على اتخاذ القرارات وفهماً عميقاً لبنية المجتمع واحتياجاته.

وتزداد أهمية هذا المبدأ حين يتعلق الأمر بالمناطق ذات الخصوصية الثقافية والاجتماعية والسياسية حيث تلعب المعرفة المحلية دوراً حاسماً في ضمان نجاح السياسات العامة. فالمسؤول المنتمي الى البيئة ذاتها غالباً ما يكون أكثر وعياً لحساسياتها، وأكثر استعداداً لبناء جسور الثقة بين الإدارة والمجتمع مما يسهم إيجاباً في استقرار المؤسسات وتماسك المجتمع. ولا ينبغي فهم هذا الطرح بوصفه تكريساً للانغلاق المناطقي بل نهج عملي قائم على الجدارة والفعالية.

على النقيض من ذلك، يظهر واقع سوريا في العقود الماضية أن تجاهل هذا المبدأ قد أدى إلى اتساع فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع. فقد اعتمد نظام الأسد مراراً على سياسات التعيين المركزية التي لم تراع الخصوصيات المحلية أو المعايير الصارمة القائمة على الجدارة. الأمر الذي انعكس سلباً على الأداء الأداري ، وزاد من اختلالات التنمية. ومع تراكم الأزمات السياسية والاقتصادية أصبح هذا النهج عاملًا هيكلياً أضعف قدرة الدولة على الاستجابة الفعّالة للتحديات.

في هذا السياق، تعد خطوة الحكومة السورية الأخيرة بتعيين شخصية من خارج منطقة كوباني غير موفقة ، لا سيما وأن هذا النهج قد جُرّب سابقاً وثبت عدم جدواه. لقد دفعت سوريا بمختلف مكوناتها العربية والكردية ثمناً باهظاً لسياسات تجاهلت خصوصياتها المحلية ولم تلتزم بمعايير الكفاءة والنزاهة. إن تكرار هذه التجربة اليوم سيكون خطأً جسيماً قد تترتب عليه عواقب وخيمة على الجميع.

إن تعيين أفراد مؤهلين من المنطقة في مناصب المسؤولية ليس مسألة عاطفية أو سياسية ضيقة بل هو خيار قائم على منطق الحكم الحديث ومبادئ اللامركزية الإدارية، التي أصبحت حجر الزاوية في أنظمة الحكم المعاصرة. وعند تطبيقها ضمن إطار الدولة ووحدتها القانونية تزيد اللامركزية من المشاركة وتحسن كفاءة الخدمات وتدعم الاستقرار على المدى الطويل.

وبالتالي، فإن أي عملية إصلاح جادة في سوريا يجب أن تعيد تقييم آليات تعيين وإدارة الموارد البشرية في القطاع العام وأن تبنيها على أساس معايير الكفاءة والشفافية والنزاهة مع مراعاة الخصوصيات المحلية ضمن سياق وطني أوسع. إن الحكم الرشيد ليس ترفاً نظرياً بل ضرورة سياسية وتنموية لضمان مستقبل أكثر استقراراً وعدلاً لجميع مكونات المجتمع.

 5 / 3 / 2026

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أمين شيخ كلين ياسادة الافاضل : الرئيس البارزاني في دمشق ، بدعوة رسمية من الرئيس أحمد الشرع ، واستقبال رسمي في قصر الشعب السوري وحسب البروتوكول الرياسي المعتمد ، الملفت للانتباه هو رفع العلم الكردستاني لأول مرة في تاريخ سورية منذ نشأتها ، لان الحكومات السورية المتعاقبة ودون استثناء حاربت الأكراد وقضيتهم بكل الوسائل وبلاهوادة ومشروعي الإحصاء والحزام العربي ثم…

عبد الرحمن حبش ليس كل قائد يستطيع أن يحول حضوره إلى رسالة وليس كل زيارة تكتب في بروتوكولات السياسة فقط بل هناك زيارات تسجل في ذاكرة الشعوب. لقد جاءت زيارة فخامة الرئيس نيجيرفان بارزاني إلى دمشق ولقاؤه برئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع لتؤكد أن القضية الكوردية حاضرة بقوة وأنها لا يمكن تجاوزها في أي معادلة تخص مستقبل سوريا والمنطقة….

د. محمود عباس لا يمكن وضع الولايات المتحدة وإيران في كفتي ميزان واحدة، ثم طرح السؤال ببساطة، من ربح الحرب؟ لأن هذا السؤال، بصيغته المباشرة، يفترض منذ البداية أن الطرفين قوتان من طبيعة واحدة، وأنهما تخوضان الحرب بالمفهوم نفسه، وتقيسان الربح والخسارة بالمعايير ذاتها. وهذا، في تقديري، هو موضع الخطأ الأول في معظم القراءات التي تناولت المواجهة بينهما. المسألة أعمق…

لأول مرة في تاريخ سوريا، يكتب الرئيس السوري أحمد الشرع تغريدة باللغة الكردية، بمناسبة زيارة رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني إلى دمشق. وتكتب اللغة الكردية في سوريا وتركيا بالحروف اللاتينية، وليس بالحروف العربية كما هو الحال في اقليم كردستان العراق، حيث تستخدم السورانية المكتوبة بالأبجدية العربية المعدلة. وفيما يلي نص تغريدة الرئيس السوري أحمد الشرع: أحمد الشرع…