دروس سوريا… ومأزق الخوف في إيران

ماهين شيخاني

من شدة ما رأيناه في سوريا، لم نعد نخاف الواقع فقط… بل صرنا نخشى الأحلام أيضاً.

لسنوات طويلة، كان شعار “يسقط النظام” يبدو واضحاً وبسيطاً. كنا نظن أن سقوط الاستبداد هو بداية الخلاص. لكن التجربة السورية علّمت المنطقة درساً قاسياً: إسقاط النظام لا يعني بالضرورة ولادة دولة عادلة، وقد يفتح الباب لفوضى أو استبداد جديد بأدوات مختلفة.

هذا الدرس هو ما يثقل اليوم النقاش داخل إيران، خصوصاً لدى الكورد.

 

بين نظام قائم وبديل غامض

لا جدال في أن نظام الجمهورية الإسلامية حرم الكورد وغيرهم من حقوق أساسية لعقود طويلة. القمع السياسي، التمييز الثقافي، والتضييق الأمني ليست ملفات قابلة للإنكار.

 

لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: ماذا بعد؟

 

حين تصدر عن رضا بهلوي مواقف تُفهم على أنها تميل إلى مركزية قومية صارمة، وتُقلل من مشروعية المطالب القومية غير الفارسية، فإن القلق يصبح مشروعاً. ليس لأن الكورد يرفضون التغيير، بل لأنهم يخشون أن يتحول التغيير إلى إعادة إنتاج الهيمنة بصيغة أخرى.

هل يمكن أن يُستبدل نظام ديني مركزي بنظام قومي مركزي؟

هل يتحول الصراع من ولاية فقيه إلى قومية أحادية لا تعترف بتعدد إيران؟

 

الدرس السوري: التعقيد لا الاستبدال

ما حدث في سوريا لم يكن مجرد سقوط واستبدال، بل انفجار بنيوي لدولة لم تُحسن إدارة تنوعها. انهيار المركز لم ينتج عقداً اجتماعياً جديداً، بل فراغاً ملأته قوى متصارعة.

الخوف الكوردي في إيران لا ينبع من رفض الثورة، بل من غياب تصور واضح لدولة تعددية بعد الثورة.

 

المطلب ليس انفصالاً… بل اعترافاً

المعادلة الكوردية ليست لغزاً:

لا للنظام القمعي الحالي.

لا لإعادة إنتاج مركزية تُنكر التعدد.

نعم لدستور يعترف بالقوميات المختلفة.

نعم لنظام سياسي يضمن شراكة حقيقية في السلطة والثروة.

إيران ليست كتلة قومية واحدة، بل فسيفساء تاريخية: كورد، فرس، عرب، بلوش، تركمان، وآخرون. تجاهل هذه الحقيقة لم ينتج استقراراً في الماضي، ولن ينتجه في المستقبل.

 

الخوف ليس جبناً

نعم، هناك خوف.

لكن هذا الخوف ليس تراجعاً عن مطلب الحرية، بل حرصٌ على أن لا تتحول الحرية إلى شعار يُستخدم لإقصاء مكوّنات أخرى.

التجربة الإقليمية أثبتت أن إسقاط نظام أسهل بكثير من بناء نظام عادل.

وأن غياب الضمانات الدستورية للتعدد قد يجعل أي تغيير مجرد تدوير للنخبة الحاكمة.

 

خاتمة

الكورد في إيران لا يطلبون امتيازاً، بل شراكة.

لا يرفضون التغيير، بل يريدون تغييراً لا يهدد وجودهم.

ولا يخافون الحرية، بل يخافون أن تُستخدم الحرية ضدهم.

 

الدرس الذي علمتنا إياه المنطقة واضح:

الاستبداد لا يُهزم فقط بإسقاط الحاكم، بل ببناء عقد وطني يعترف بالجميع.

وإلا… فإن الثورة قد تغيّر الأسماء، لكنها لا تغيّر المعادلة.

28/2/2026

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

محي الدين حاجي تواجه الساحة الفكرية والسياسية الكردية اليوم أزمة وعي حادة تفرضها شريحة متزايدة من الكتّاب والمعلقين هؤلاء يعتمدون على نقل الأخبار السطحية من صفحات الأنترنيت دون تدقيق، للشهرة واكتساب صفة المحلل السياسي. تعتمد تلك الأقلام على وسائل الاعلام التجارية والمحرضة وتزيف الحقائق .وتحول في نظر الشارع إلى حقائق مطلقة، مما يساهم في تزييف الوعي العام وتوجيه الجمهور نحو…

يسرى زبير في زمن التكنولوجيا، يبرز سؤال ملح: هل الذكاء الاصطناعي نعمة أم نقمة؟ في زمنٍ أصبح فيه المثقف مهمشاً، والكاتب مهملاً، والشاعر مستبعداً، والكتب مركونة على الرفوف يكسوها الغبار في الزوايا، يبرز هذا السؤال بإلحاح أكبر. في الوقت الذي كان فيه كثيرون عاجزين عن كتابة سطر واحد، أو بعيدين عن عالم القراءة والكتب، أصبحوا بين ليلة وضحاها يقدمون أنفسهم…

عزالدين ملا الساحة الكوردية السورية تمر اليوم في أكثر مراحلها تعقيداً منذ عقود، ليس فقط بسبب التحولات الكبرى التي عرفتها سوريا بعد سقوط نظام البعث والأسد، بل أيضاً بسبب التصدعات العميقة داخل البيت الكوردي نفسه والانقسام الحاد حول طبيعة المشروع السياسي الكوردي وحدود العلاقة مع السلطة السورية الجديدة وشكل الشراكة الوطنية المطلوبة في المرحلة المقبلة. فالمشهد الذي رافق انتخابات البرلمان…

حسن قاسم في خضم التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، تتكشف بين الحين والآخر مواقف وتصريحات تعيد التأكيد على ثوابت السياسة التركية تجاه القضية الكوردية. فالتصريحات المنسوبة إلى رئيس الاستخبارات الإسرائيلية السابق، والتي تحدث فيها عن نجاح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في إقناع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعدم دعم أي مشروع قد يقود إلى قيام كيان كوردي في إيران، تعكس…