من الوعود إلى الضمانات: كيف تُحمى حقوق الكرد في أي اتفاق سوري؟

شادي حاجي 
المشكلة في سوريا ليست خلافاً سياسياً عابراً، بل بنية دولة قامت تاريخياً على إنكار التعدد القومي. لذلك فإن أي اتفاق بين دمشق والقوى الكردية لن يكون ذا قيمة ما لم يتضمن ضمانات دستورية واضحة وغير قابلة للالتفاف.
الكرد لا يفاوضون على تحسين إدارة محلية، بل على اعتراف دستوري ينهي عقوداً من التهميش. وأي صيغة بلا تحصين قانوني ستبقى عرضة للتراجع عند أول أزمة سياسية.
1. لا لامركزية بلا صلاحيات دستورية فعلية
اللامركزية الإدارية وحدها لا تكفي. التجربة السورية أظهرت أن المركز قادر على تعطيل أي مجلس محلي عبر أدواته الأمنية والتنفيذية.
الضمان الحقيقي يتطلب:
نصاً دستورياً يمنح سلطات تشريعية محلية منتخبة لا يمكن إلغاؤها بمرسوم.
إدارة أمن داخلي مناطقية خاضعة لرقابة مدنية.
حقاً دستورياً في إدارة جزء من الموارد الطبيعية.
تحديد واضح للعلاقة بين المركز والإقليم على غرار ما أقره دستور 2005 في العراق، حيث لم تكن الفيدرالية تفصيلاً إدارياً بل إعادة تعريف لبنية الدولة.
2. تثبيت الحقوق قبل إعادة هيكلة القوة
المطالبة بحلّ البنية العسكرية التابعة لـ قوات سوريا الديمقراطية أو بيشمرگة روچ قبل تثبيت ضمانات دستورية صارمة تعني عملياً تجريد طرف من أدواته التفاوضية دون مقابل مؤسسي ملزم.
إعادة هيكلة القطاع الأمني يجب أن تكون نتيجة لاتفاق شامل ومحصّن، لا شرطاً يسبق تثبيت الحقوق.
3. تحصين الحقوق من تقلبات الأغلبية
الديمقراطية العددية لا تكفي لحماية المكونات القومية والدينية والطائفية . لذلك يتطلب أي اتفاق:
اشتراط أغلبية معززة لتعديل المواد الخاصة بحقوق المكونات.
إنشاء محكمة دستورية مستقلة فعلياً.
استحداث غرفة تشريعية ثانية تمثل المناطق لا الكتل السكانية فقط.
هذه ليست امتيازات خاصة، بل أدوات استقرار لدولة متعددة القوميات والأديان والطوائف .
4. ضمانات دولية مرحلية
في بيئة انتقالية غير مستقرة، قد يكون تثبيت الاتفاق عبر إشراف مرحلي من الأمم المتحدة أو عبر قرارات صادرة عن مجلس الأمن الدولي عاملاً داعماً يمنع الانقلاب على التفاهمات. التجارب الإقليمية تُظهر أن الاتفاقات غير المحمية دولياً تنهار سريعاً تحت ضغط الاستقطاب الداخلي.
الخلاصة
الضمانة ليست في النوايا ولا في الخطابات، بل في نصوص دستورية واضحة تغيّر قواعد اللعبة:
توزيع فعلي للسلطة
تحصين قانوني للحقوق
آليات تمنع أي أكثرية عابرة من إلغاء المكتسبات
من دون هذه الأسس، لن يكون أي اتفاق تسوية تاريخية، بل هدنة مؤقتة تسبق أزمة جديدة.
وإلى مستقبل أفضل

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ولاتي مه – خاص: أعلن خمسة من أصل سبعة أعضاء في قيادة منظمة أوروبا التابعة لحزب الوحدة الديمقراطي الكُردي في سوريا انسحابهم من صفوف الحزب، وذلك عبر بيان سياسي صدر اليوم، أشاروا فيه إلى جملة من الأسباب التنظيمية والسياسية التي دفعتهم لاتخاذ هذا القرار، بعد ما وصفوه باستنفاد جميع محاولات الإصلاح الداخلي. ويأتي هذا التطور بعد أيام قليلة من إعلان…

د. حمدي سنجاري بعض الزيارات لا تُنسى. لا لأنها تُعرّفك على مكان، بل لأنها تضعك وجهاً لوجه مع معاناة بشر حقيقيين، وآمالهم التي لم تنطفئ بعد. وحين دعاني عدد كبير من أبناء سنجار، النازحين قبل أيام في دهوك وأربيل، وجدت نفسي أمام زيارة طالما أجّلتها أكثر مما ينبغي. هناك التقيت بسنجار الحقيقية. مسلمون، إيزيديون، مسيحيون. عرب وكورد وتركمان….

تلقى النائب كبرئيل موشي سلسلة من الاتصالات والرسائل من عدد من أحزاب الحركة الوطنية الكردية في سوريا، هنأته خلالها بمناسبة نيله عضوية مجلس الشعب السوري، متمنين له التوفيق والنجاح في أداء مهامه الوطنية وخدمة أبناء الوطن. وقد وردت هذه الاتصالات والرسائل من كل من: * الدكتور صلاح درويش سكرتير الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا * السيد شلال كدو رئيس…

خوشناف سليمان ما تشهده مناطق شمال وشرق سوريا اليوم هي حالة استنزاف شاملة تضرب حياة الناس في الصميم. وتستهدف القدرة على البقاء والصمود لدى جميع مكونات المنطقة و خاصة الكرد الحرائق التي التهمت آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية خلال المواسم الأخيرة لم تكن مجرد حوادث عابرة. بل جاءت متزامنة مع سياسات اقتصادية أثقلت كاهل المزارعين. فأسعار شراء المحاصيل لم تعد…