روج افاي كوردستان من قضية داخلية إلى السياسة الدولية ودلالات الحضور الكوردي المستقل في مؤتمر ميونيخ للأمن.

سليمان سليمان

 

يشكل مؤتمرميونخ للامن إحدى أهم المنصات غير الرسمية لصناعة التوازنات الأمنية الدولية، حيث تلتقي قيادات دولية وصناع قرار وخبراء استراتيجيون لتبادل الرؤى وبناء تفاهمات تتجاوز في كثير من الأحيان الإطار البروتوكولي التقليدي. ومن هذا المنظور، يكتسب حضور ممثلين عن روج آفاي كوردستان في هذا المحفل دلالة سياسية تتجاوز مجرد المشاركة الشكلية، لا سيما أن الحضور جاء بصفة وفد منفصل عن الوفد السوري الرسمي.

في الأعراف الدبلوماسية، لا يعد شكل التمثيل تفصيلًا ثانويًا، بل مؤشرًا على طبيعة الموقع الذي يمنح لأي فاعل ضمن الفضاء الدولي وحدود الاعتراف به. وقد تمثلت المشاركة بشخصيتي الجنرال مظلوم عبدي والقيادية إلهام احمد، بما يعكس انتقال روج آفاي كوردستان من موقع الموضوع الأمني الذي يبحث بشأنه، إلى موقع الطرف الذي يتحدث باسمه ويعرض رؤيته مباشرة أمام الفاعلين الدوليين. ورغم أن هذا الحضور لا يرقى إلى اعتراف قانوني صريح، فإنه يمنح القضية الكوردية بعدًا سياسيًا مستقلًا داخل النقاشات متعددة الأطراف، ويؤسس لسابقة دبلوماسية يصعب تجاهلها مستقبلًا.

الأهمية هنا لا تكمن في المؤتمر بوصفه حدثًا دوريًا، بل في المسار الذي يعكسه: نقل القضية من هامش الترتيبات الإقليمية المغلقة إلى فضاء الاهتمام الدولي المباشر. هذا التحول يعني أن الكورد لم يعودوا مجرد ملف أمني يدار عبر قنوات خلفية، بل باتوا طرفًا حاضرًا في ساحات النقاش العلني المرتبط بقضايا الأمن الإقليمي والاستقرار الدولي.

ومن حيث الجوهر، يمكن رصد تشابه نسبي مع المسار الذي عرفه إقليم كوردستان بعد عام 1991، حين انتقلت قضيته تدريجيًا من ملف إنساني أمني إلى كيان سياسي حاضر في العلاقات الدولية، تقوده مؤسسات حكومية معترف بها ضمن الدولة العراقية. فالتدويل لا يحدث بقرار مفاجئ، بل عبر تراكم مشاركات وتمثيلات تعيد تعريف الفاعل سياسيًا في الوعي الدولي، وتمنحه شرعية واقعية قبل أن تترجم أحيانًا إلى صيغ قانونية.

في هذا السياق، يكتسب دعم قيادة إقليم باشوري كردستان  لتعزيز الحضور الدولي لروج آفاي كوردستان أهمية خاصة، باعتباره عنصر توازن سياسي للكورد عمومًا، لا مجرد تقاطع ظرفي في المصالح. فتكامل مسارات الانفتاح الخارجي يوسع هامش الحركة ويحد من قابلية القضية للاختزال ضمن سرديات أمنية ضيقة.

هذا التطور يضع تحديًا أمام الدول التي سعت تاريخيًا إلى حصر القضية الكوردية في مقاربة أمنية، وفي مقدمتها تركيا التي ربطت أي تمثيل كوردي بخطاب الأمن القومي ومكافحة الإرهاب. كما أن مواقف بعض الدول العربية، ومنها كقطر والسعودية والمتقاطعة أحيانًا مع الرؤية التركية في هذا الملف، لم تنجح في الحد من مسار الانفتاح الدولي المتدرج، إذ أظهرت الوقائع استمرار توسيع هامش الحضور الكوردي في المحافل متعددة الأطراف، ولو ضمن حدود محسوبة.

ولا يمكن فصل هذا التحول عن الدور الذي أدته القوى العسكرية الكوردية في مواجهة تنظيم الدولة الاسلامية داعش . فالإسهام في هزيمة أحد أخطر التنظيمات المتطرفة في المنطقة أعاد صياغة موقع الكورد في المعادلة الإقليمية والدولية، ومنحهم رصيدًا سياسيًا ومعنويًا يصعب تجاوزه، حتى وإن ظل هذا الرصيد خاضعًا لحسابات القوى الكبرى وتقلب أولوياتها.

من هنا، فإن التحديات التي واجهتها روج آفاي كوردستان في المرحلة الأخيرة لا يمكن قراءتها بوصفها إخفاقًا داخليًا بقدر ما هي انعكاس لتحول أولويات القوى الدولية بعد انحسار مرحلة الحرب على الإرهاب. لقد تحقق إنجاز عسكري واضح، لكن ترجمته إلى ضمانات سياسية دائمة بقيت رهينة موازين قوى متحركة وتفاهمات غير مستقرة.

مع ذلك، فإن إدراج روج آفاي كوردستان كوفد مستقل في محفل رفيع المستوى كمؤتمر ميونيخ للأمن يعكس حقيقة سياسية آخذة في التبلور: مسار تدويل القضية بات قائمًا، وإن كان يتقدم بخطوات بطيئة ومحسوبة.

وإذا ما أُدير هذا المسار برؤية دبلوماسية متماسكة، واستفادت روج آفاي كوردستان من الخبرة المؤسسية التي راكمها إقليم باشوري كردستان في بناء مؤسسات الحكم وإدارة التوازنات الإقليمية والدولية، فقد يمنحها ذلك أدوات أكثر نضجًا لترسيخ حضورها السياسي تدريجيًا.

بهذا المعنى، لا يختزل الحضور في مؤتمر ميونيخ للأمن في بعده البروتوكولي، بل يقرأ بوصفه حلقة في عملية أوسع لبناء شرعية تمثيلية تراكمية؛ شرعية تتشكل عبر المشاركة المستمرة في فضاءات صنع القرار، وتعاد صياغتها مع كل ظهور علني يرسخ صورة الفاعل السياسي المستقل في الوعي الدولي.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان ليست المأساة السورية في أنها خرجت من حربٍ طويلة، بل في أنها تقف اليوم على أعتاب حربٍ جديدة، لا تخاض هذه المرة بالدبابات وحدها، وإنما بالأفكار التي تزرع في العقول قبل أن تتحول إلى بنادق في الأيدي. فكل حرب تبدأ بخطاب، وكل مجزرة تبدأ بفكرة، وكل مشروع استبداد يبدأ بإقناع الناس بأن الوطن لا يتسع إلا…

إلى أبناء شعبنا الكردي، إلى الرفيقات والرفاق في مختلف الهيئات الحزبية، إن هذا البيان لا يهدف إلى تبرير قرار انسحابنا، فالأسباب التي أوصلت حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا إلى أزمته الراهنة أصبحت معروفة لدى غالبية الرفاق وجماهير الحزب، وإنما يأتي انطلاقاً من شعور عميق بالمسؤولية تجاه تاريخ الحزب وإرثه النضالي، وتجاه تضحيات الرفيقات والرفاق الذين أسهموا في بنائه على…

علي شمدين الحقيقة أن سير العملية السياسية في البلاد، وكما هو متوقع، سيقود البلاد نحو طريق مسدود، بسبب تراكم الاحتقان الذي قد يخرج عن السيطرة وينفجر، عاجلاً أم آجلاً. وإن ما يجري ميدانياً اليوم على أرض الواقع، من تحشيد للاتجاهات الشوفينية، وتحريض للجماعات العشائرية والغوغائية، التي اجتمع شملها تحت خيم نُصبت هنا وهناك على تخوم المناطق الكردية باسم (خيم الحرب)،…

شادي حاجي قبل أكثر من قرن، لم تكن معاهدة لوزان، الموقعة في 24 يوليو/تموز 1923، مجرد اتفاق أنهى الحرب بين القوى المنتصرة والجمهورية التركية الناشئة، بل أصبحت الوثيقة التي كرست النظام الجيوسياسي للشرق الأوسط طوال القرن العشرين. وقد جاءت لوزان لتحل محل معاهدة سيفر، الموقعة في 10 أغسطس/آب 1920، التي كانت قد نصت على إمكانية منح الأكراد حكماً ذاتياً، وفتحت…