بين الأمة الديمقراطية و أخوة الشعوب… أين ضاع الحلم الكردي؟

بنكين محمد

على امتداد العقود الماضية، لم يكن الحلم الكردي مطلبًا طوباويًا أو نزوة سياسية عابرة، بل كان تعبيرًا مشروعًا عن حق شعبٍ في الوجود والكرامة والاعتراف. غير أنّ هذا الحلم، الذي صاغته التضحيات والآلام، وجد نفسه في السنوات الأخيرة عالقًا بين شعارات كبيرة وبراقة، من قبيل الأمة الديمقراطية و أخوة الشعوب ، دون أن يترجم ذلك إلى مكاسب قومية واضحة للكرد أنفسهم.
لا خلاف على أن التعايش، والتعددية، والشراكة بين المكونات قيم إنسانية سامية، وأن أي مشروع سياسي في منطقة معقدة كسوريا لا يمكن أن يقوم على الإقصاء أو الإنكار. لكن الإشكالية تبدأ حين تتحول هذه المفاهيم إلى بدائل عن الحقوق القومية، أو تُستخدم لتذويب المطالب الكردية بدل حمايتها. فالكرد، وهم يرفعون راية الشراكة، لم يفوضوا أحدًا للتنازل عن لغتهم، أو تاريخهم، أو حقهم في إدارة شؤونهم بأنفسهم ضمن إطار وطني عادل.
لقد أثبتت التجارب أن الشعارات الجامعة، عندما لا تستند إلى ضمانات دستورية واضحة، تصبح فضفاضة وقابلة للتأويل، وغالبًا ما تُستثمر على حساب الطرف الأضعف سياسيًا. فبينما طُلب من الكرد أن يكونوا رأس الحربة في الدفاع عن أخوة الشعوب ، لم يُحسم حتى اليوم موقعهم وحقوقهم كشعبٍ أصيل في البلاد، لا بوصفهم مجرد “مكون” عابر.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في فكرة التعايش ذاتها، بل في تغييب البعد القومي الكردي من الخطاب والممارسة السياسية، وكأن المطالبة بالحقوق القومية تتناقض مع الديمقراطية. والحقيقة أن الديمقراطية، إن لم تعترف بالهويات القومية وتحميها، تتحول إلى شعار فارغ، بل إلى أداة لإعادة إنتاج الظلم بأشكال أكثر نعومة.
اليوم، يحتاج الكرد إلى وقفة صريحة مع الذات: مراجعة هادئة، ومسؤولة، توازن بين الانفتاح على الشراكة الوطنية، والتمسك الواضح بالحقوق القومية غير القابلة للمساومة. فلا “الأمة الديمقراطية” يمكن أن تنجح إذا قامت على تهميش هوية أساسية، ولا أخوة الشعوب يمكن أن تستقيم إذا طُلب من شعبٍ واحد أن يدفع وحده ثمن هذه الأخوّة.
الحلم الكردي لم يمت، لكنه تاه بين العناوين الكبرى. وإعادته إلى مساره الصحيح تبدأ بإعادة تعريف الأولويات: شراكة نعم، تعايش نعم، لكن على أساس الاعتراف المتبادل والحقوق الواضحة، لا على حساب حلم شعبٍ ما زال ينتظر أن يُعامل كشريك كامل، لا كظلٍ في مشاريع الآخرين.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. مرشد اليوسف شهد المجتمع الكردي في سوريا خلال العقود الماضية تحولات ديموغرافية واجتماعية وسياسية عميقة، أدت إلى تشكل فضاء كردي متنوع لا يقتصر على مناطق الجزيرة والفرات، بل يمتد إلى المدن السورية الكبرى مثل حلب ودمشق وحمص وحماة واللاذقية ودرعا وغيرها. وقد أنتج هذا الانتشار الجغرافي شريحة واسعة من الكرد يمكن تسميتها بـ”كرد الداخل السوري”، وهم أولئك الذين عاشوا…

عدنان بدرالدين حين سقط نظام بشار الأسد في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، بدا وكأن سوريا تقف أمام لحظة تأسيسية حقيقية. لم يكن السقوط مجرد حدث سياسي، بل نهاية شكل كامل من الحكم استمر أكثر من نصف قرن: دولة أمنية مركزية، تقوم على الخوف، وتختزل الوطن في السلطة، والسلطة في العائلة، والعائلة في شخص الحاكم. كان من الطبيعي أن يفتح…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* «إن جمهورية الإعدام الإسلامية الإيرانية قد هرمت جداً، لكن معنوياتنا لا تزال متقدة.. جمهورية الإعدام الإسلامية تتجه نحو نهايتها، أما نحن، فعلى قمة الجبل منشغلون بإنزال الشمس وجلبها إلى الأرض». هذه ترجمة لجزء من قصيدة للشاعر الكردي الشهير، شيركو بيكس، وكأنها نُظمت ليومنا هذا. النظام الإيراني في أضعف حالاته، والشعب الإيراني على عتبة الانتصار. بعبارة أخرى، الشعب…

عبد الرحمن كلو المشكلة ليست في المعارضة، بل في المنطلق المفاهيمي الذي يَختزل الوطنَ التاريخي في سلطةٍ عابرة. أطلق رئيسُ حركة الجيل الجديد، شاسوار عبد الواحد، عبارةً مفادُها أنه «إمّا أن تَسقط حكومةُ إقليم كوردستان، أو لن يبقى هناك إقليم»، وكرّرها في مؤتمره الصحفي بصيغٍ متقاربة. وقد لقيت العبارةُ موجةَ نقدٍ واسعة، تراوحت بين الاستنكار السياسي والاتهام الصريح. غير أن…