المبادرات الكردية التضامنية في الخارج.. حضور واسع وحضاري وانضباط قانوني يعززان التعاطف الأوروبي

إبراهيم اليوسف

جاءت الوقفات التضامنية الكردية والكردستانية  في مدن أوربا والغرب، في إطارها  السلمي الحضاري المنظم،  في مواجهة  مخطط واضح من التحريض والانتهاكات، إذ مهد لها خطاب كراهية منظم ، ضد الكرد، في إطار مواجهة -قسد-عبر منصات مرتبطة بميليشيات دمشق، إذ طالما جرى تشويه صورة الكرد و تصويرهم أعداء محتلين، في محاولة للتغطية على المجازر المحلية المتعددة، و اتفاقات الإذعان التي تتم على أكثر من صعيد، ناهيك عن محاولة امتصاص  ردات فعل زيارة رأس السلطة الجديدة إلى روسيا، وغير ذلك من الاختراقات التي تمت بما تربت عليه جمهرات العنصريين عبر عقود،  ليتم  تحميل الكرد  وزر و مسؤولية الصراع، على خلاف الواقع، عبر تكوين  بيئة حاضنة تسوغ الاعتداء عليهم، ومن هنا فلم يعد الإعلام- بأشكاله التقليدية  والحداثية وما بعد الحداثية-  وسائل نقل للوقائع بل أداة  تعبئة سياسية تمهد للعنف. تزامن ذلك مع نقض ونسف متكررين للاتفاقات المعلنة، إذ وُقعت تفاهمات لما يسمى ب”خفض التصعيد” ثم جرى خرقها خلال فترة قصيرة، وهكذا انعدمت الثقة بأي تعهد رسمي، لأن الوقائع أثبتت أن الوعود تُستعمل لكسب الوقت لا لحماية المدنيين.

 

أتذكر في هذا السياق مواقف  شخصية لها دلالتها العملية، إذ إنني طالما كنت أقول في الندوات التي أقمتها مع الشهيد مشعل التمو في أوروبا عقب انتفاضة آذار 2004 إننا في الداخل لم نكن وحدنا، حيث كنا نستظهر بإرادة شعبنا التي لا تُقهر رغم حصار قامشلي بالدبابات والأسلحة الثقيلة، وإننا في الوقت نفسه كنا نستمد قوة إضافية من المظاهرات الاحتجاجية السلمية التي طالما أقامها أهلنا في الخارج، ومن وسائل الإعلام التي بدأت تؤدي دورها بصورة فعلية، إذ استفدنا منها ككرد- في سوريا- للمرة الأولى في إيصال صوتنا وكسر العزلة المفروضة علينا. وحقيقة، فإن هذه القناعة لم تكن مجرد تصور أو رجاء بل وقائع تجربة عشناها عملياً، حيث كان صدى الخارج يخفف وطأة الضغط عن الداخل ويمنح الكرد- وهم تحت الحصار- شعوراً بأن لهم أهلاً يساندونهم.

من هنا يمكن فهم الوقفات الحالية باعتبارها امتداداً عفوياً لذلك الدرس، إذ إن التضامن الخارجي ليس رفع عتب، بل هو عامل قوة حقيقي، وحيث يخرج الآلاف في شوارع أوروبا وهم يرفعون مطالب واضحة، في لافتاتهم، وفي كلمتهم، وشعاراتهم، فإن أصداء الرسالة تصل إلى الإعلام وصنّاع القرار، على أمل أن يجري وضع ما يحدث في كردستان سوريا ضمن دائرة الاهتمام العام، وهذا بحد ذاته يحدّ من قدرة المعتدين على العمل بعيداً عن المساءلة، ولعلنا جميعاً نسمع أصداء التعاطف مع شعبنا من قبل الشارع اليومي، والرسمي، رغم وجود إرادة مواجهة لتنفيذ خطط لاستعداء السوريين على بعضهم بعضاً، وليكون الكردي وقود ذلك، على أمل تحقيق ما يصبون إليه؟

إن هذا الحراك الجماهيري الكبير في أوربا، لم يأت من فراغ، وإنما رداً على الانتهاكات الجسيمة التي  حركت الضمائر، إزاء ما يتم من نحر لأسر كاملة، أو خطف وقتل على الهوية، أو تهجير عشرات الآلاف من العائلات وتدمير المساكن وقتل المدنيين الأبرياء، ولا سيما في الرقة ودير الزور ناهيك عن حصار كوباني والحسكة، ولذلك فإنه لم يكن النزول إلى الشارع ردّة فعل انفعالية بل موقفاً مبنياً على مجريات وأحداث ووقائع واضحة. ومن الطبيعي أن الكرد في المنافي يرتبطون بأقاربهم داخل تلك المناطق، متأثرين بالأخبار التي يتابعونها ساعة تلو أخرى، لطالما أن الصمت تواطؤ وخيانة.

رغم كل المؤامرات، والتضحيات، والدماء، والأسر، والتهجير فقد تميّزت المظاهرات بطابع حضاري وسلمي منظم، إذ طالما  تصدر توجيهات واضحة من منظمي هذه التجمعات السلمية- وهم من الشباب المستقل المتحمس- بضرورة الالتزام بالقوانين المحلية واحترام النظام العام وعدم الانجرار إلى أي احتكاك. لم تُرفع شعارات عدائية، ولم تُسجَّل أعمال تخريب، وإنما حضرت الأغاني الوطنية والأهازيج والزغاريد الجماعية من أفواه الصبايا والنساء والشباب والأطفال، وهم متدثرون بالعلم الكردستاني. رايتهم الجامعة، في صور ومشاهد رمزية عفوية  تعلن عن حالة تضامن جماعي مع شعب بريء في مرمى الإبادة، كيف لا و الأغاني تبث روح الحماس في الصفوف، والأهازيج تعزز الروح المشتركة، والعلم الكردستاني يجمع هؤلاء المتظاهرين  للإعلان عن وقوفهم السلمي مع أهاليهم، وإذا كان كل ذلك جرى ويجري  ضمن حالة  احترام كامل للقوانين والتعليمات المحلية، فإن مثل هذا الانضباط منح الوقفات مصداقيتهم  الأخلاقية والإنسانية ، في آن واحد.

ورغم كل هذا وذاك فقد حاول بعض المستفزين تشويه الصورة عبر تحريضات متعمدة ودفع الشباب إلى ردود فعل متسرعة، وحيث رأيت بأم عيني أحد تلك المشاهد تدخلت مباشرة وأديت دوري في منع أي تصادم، لأن أي احتكاك كان سيُستغل فوراً لتشويه الاحتجاج بأكمله. هذا السلوك الحضاري السلمي لم يكن فردياً، بل هو توجه عام لدى المنظمين والمشاركين، عبر ضبط النفس وتفويت الفرصة على من يريد  التشويه والتخريب.

لقد ترك هذا الانضباط أثراً واضحاً لدى المجتمع الأوروبي، بحسب مظنتي، بل شهادات من ألتقيهم، إذ يلاحظ المارّة ووسائل الإعلام أن المحتجين يتصرفون بمسؤولية ويحترمون النظام العام، لاسيما أن المطالب تطرح بلغة مفهومة ومباشرة بما يوسع دائرة التعاطف، لأن من يلتزم بالقانون وهو يطالب بحقه يكسب ثقة المجتمع تلقائياً. لذلك فإن هذه الوقفات تتحول إلى فضاء تواصلي مباشر مع الرأي العام الأوربي، من دون أن يبقى أسير حراك منغلق على أصحابه.

وكشهادة، وفق ما رأيت من خلال مشاركتي في أكثر من وقفة سلمية أن السلطات المحلية تتجاوب، بدورها، بصورة إيجابية، إذ إنها لم تقصر في توفير الحماية لهذه الأنشطة التضامنية السلمية، لأن قوانين أوربا العامة تعتبر الاحتجاج حقاً مشروعاً، لاسيما إن مثل هذا  التفاعل يؤكد أن السلمية والانضباط يجليان صورة القضية الكردية، وإنسانيتها، و شرعيتها، وتكريس حضورها في الفضاء العام كمطلب محق.

لكل هذا فإن تضامن الكرد في المنافي يحقق دوره، ويكتسب التعاطف والمشروعية من المحيط الأوربي، والعالمي، لأن ما يحدث هو أن القهر والظلم المستمرين في الداخل يقابلهما تحرك مدني منظم في الخارج، تحريض وكراهية من جهة يقابلهما وعي وانضباط من جهة أخرى، وهكذا تظهر الوقفات باعتبارها ممارسة مسؤولة تهدف إلى حماية الناس وكشف الظلم، وتأكيد أن هذا الشعب، أينما وُجد، يحوّل تضامنه إلى قوة ضغط قانونية مؤثرة.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

المحامي عبدالرحمن نجار بضغط القوى الدولية ودعوة أقليم كوردستان العراق أنعقدكونفرانس في 26 نيسان 2025 بمدينة القامشلي أجتمع فيه مجلس الوحدة الوطنية بقيادةحزب الإتحاد الديمقراطي، وقيادة المجلس الكوردي، من أجل وحدة الصف الكوردي خاصة بعدرحيل نظام البعث.فتم الإتفاق على خطاب سياسي “الفيدرالية،اللامركزية”!. قلنافي حينها أنه مصطلح ناقص مخالف للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، أما المصطلح الصحيح هو:”الفيدرالية القومية وفق اللامركزية…

ماجد ع محمد   صحيحٌ بأن المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وإيران في إسلام آباد بباكستان تلكأت مرةً أخرى، ولكن هذا لا يعني بأنهم وصلوا إلى طريقٍ مسدود، ما دام أن الخصمين اللدودين إلى الآن مهتمان بالتهدئة، كما أنه معروف عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه مزاجي ورجل صفقات، حيث إن عيونه في كل الأوقات مفتوحة على الجانب الاقتصادي، وهذه…

د. محمود عباس   الأمم الصغيرة ومكانتها في النظام العالمي الجديد.   لم يعد النظام العالمي الجديد حكرًا على الأمم الكبرى وحدها، ولا باتت المكانة الدولية تُمنح فقط لمن يملك المساحة الأوسع أو الجيوش الأضخم. فخلال العقود الأخيرة، أثبتت تجارب متعددة أن أممًا ودولًا صغيرة استطاعت أن تفرض لنفسها وزنًا يتجاوز حجمها الجغرافي والديمغرافي، لا لأنها…

عاكف حسن في كل مرحلة سياسية معقدة، يظهر مصطلح يلمع أكثر مما يشرح، ويُستخدم أكثر مما يُفهم. في حالتنا، اسم هذا المصطلح هو: “الاندماج الديمقراطي”. هذه ليست نظرية سياسية بقدر ما هي وصفة سحرية جاهزة، خرجت من فضاء أفكار عبد الله أوجلان، لا من رحم التجربة السياسية والاجتماعية لروجافا. ومن هنا يبدأ الالتباس: مشروع لم يُصغَ على قياس طموحات الناس…