الحجر على الساسة

ماجد ع  محمد

لا ينكر أيُّ كائنٍ سويٍّ أهمية حكايا وتجارب السابقين لدى اللاحقين، ومن ذلك الأثر الغني ما جاء ذكره في المرويات، وهو بأن رجلًا كان يطيل الجلوس إلى أبي حنيفة ويظل صامتًا دون أن يتحدث، فقال له أبو حنيفة: ألا تتكلم؟ قال: بلى، متى يفطر الصائم؟ قال: إذا غابت الشمس. قال الرجل: فإن لم تغب إلى نصف الليل؟ فضحك أبو حنيفة وقال له: أصبتَ في صمتك، وأخطأتُ أنا في استدعائي لنطقك. والرسالة الجوهرية لهذه الحكاية كامنة في أولوية الصمت لدى كل مَن لم يكن يُحسن الكلام، ولكن بما أن البعض ينظر إلى حِكم ومسرودات الأولين على أنها قد تنفع للتداول الثقافي أكثر من الممارسة الميدانية، لذا سنعتبر ما يُنظر إليه كشيء نظري بمثابة التمهيد لما هو عملي ومجلوب من أرض الواقع.

إذ في سياق مَن يتكلمون ولكن كلامهم لا يفيدهم بشيء، بل تلفظهم غالبًا ما يُكدِّر صفو الحضور أكثر من سكوتهم، وحيال مَن كان نطقهم مصدرًا للبلبلة والانزعاج، يذكر المعمرون في إحدى قرى منطقة عفرين السورية أن أكثر اللحظات التي كانت تقلق راحة عمدة قريتهم لم تكن وقت مجيء الجندرمة إلى القرية، ولا عندما كان يزور القرية أحد الإقطاعيين، ولا كثرة تدفق الضيوف كانت تسبب له أيَّ اضطرابٍ أو تشويش، إنما اللحظات التي كان يبلغ فيها القلق أعلى مراحله لدى كبيرهم هي وقت كانت المضافة تعج بالزوار والضيوف المقدَّرين، ويدخل حينها إلى المجتمعين اثنان من أحفاده ويجلسان مع الضيوف، إذ كان أكثر ما يخشاه كبير القرية هو أن يطرح الضيوف الأسئلة فيقوم أحد الحفيدين بإعطاء الجواب، أو يبادر أحد الحفيدين بالكلام من تلقاء ذاته؛ وهنا تكون الكارثة اللفظية قد حلّت على الكبير وعلى ضيوفه، لأنه كان دائم التوقع بأن مشاركة أيِّ واحدٍ من الحفيدين بالحديث مع الضيوف ستكون كفيلة بتكدير صفو الجلسة وأغلب مَن يحضرها، لأن كلامهم اللامتزن عادةً ما يكون خارج السياق وجالبًا للشقاق.

وعلى اعتبار أن الضرر الناتج عن الملفوظات السلبية للإنسان العادي قليلة التكلفة مقارنةً بمنطوق الشخصية الاعتبارية أو الإنسان المسؤول، وبما أن أثر حديث المواطن العابر يبقى في الحدود الدنيا، على خلاف صاحب الموقع في تنظيمٍ سياسي أو عسكري أو مَن كان من أهل المناصب في الدولة، فلماذا يا ترى ما يُقال عن القرويين البسطاء لا ينسحب أيضًا على الداخلين حقل السياسة من نفقٍ حزبيٍّ ضيّق؟ حيث إن الكائن الغارق في حزبيته حتى الغلاصم، المعتاد على ترداد العبارات نفسها، ودحرجة الشعارات ذاتها، وإطلاق السفسطات نفسها، فحتى وإن وقف أمام حشدٍ جماهيري وليس بين الجمهور كائن واحد من حزبه، مع ذلك لا يستطيع أن يتحدث بكلامٍ ملائم للحضور، إنما سيتحدث إليهم وكأنه في مهجع تنظيمي خاص به وبأنصاره، لأنه لم يُلقَّن إلا كلامًا محددًا، ومصطلحاتٍ معينة، وجملًا معروفة لعترته، مقبولةً منهم ومحبوبةً لأسماعهم، بينما هي في الحقيقة منفّرة لدى كل مَن لم يُحشَ بشيءٍ من أوهامه وألاعيبه اللفظية.

وإذا كانت آلية الحجر، كإجراء قانوني يُستخدم عادةً في المجال الاقتصادي، والذي بموجبه يُمنع شخص ما من التصرف في أمواله، إما لحماية نفسه بسبب علةٍ أصابته أو ضعفٍ سيكولوجي ألمَّ به، كالجنون أو الزهايمر، أو لحماية حقوق الغير من الأقارب أو الدائنين، أليس الأجدر أن يُطبَّق قانون الحجر بحق الساسة أيضًا، خصوصًا بحق هذا أو ذاك السياسي الذي لا يُجيد التصرف في الأزمات، وفي كل مقابلةٍ يخلق الإشكاليات، وفي كل تصريحٍ إعلامي، سواء أكان مقروءًا أم مسموعًا أم مرئيًا، بدلًا من الطمأنينة يزيد الشروخ ويضيف إلى العداوة عداوات؟

وفي هذا الخصوص، فلنفترض جدلًا بأن السلطة السورية الجديدة غير قادرة على التحكم بكل مؤيديها من النشطاء والإعلاميين وعوام الناس، وخاصةً الفئات الهائلة التي قامت بحذف نغمات التطبيل للسلطة السابقة من الأقحاف، ولأجل التلاؤم مع الوضع الجديد والتلحّف بلونه الأخضر قامت على عجلٍ بإنزال نغماتٍ جديدة تناسب مقام السلطة الحالية، إلا أن الأمر يبدو مختلفًا لدى قوات سوريا الديمقراطية “قسد” التي تلتزم قواعدها بما تملي عليها القيادة، لذا فبما أن المفاوضات بين دمشق وقامشلو مستمرة مع دوام الهدنة التي تكللت بالاتفاق الأخير المعلن بين الجانبين، ولئلا تقف المقابلات والتصريحات الإعلامية حجر عثرة في درب اللقاءات الثنائية، فاقتراحنا هو أن يقوم قائد قوات قسد مظلوم عبدي، إن أمكن، بالحجر على رهطٍ من الساسة المبغوضين من الشارع لديه، والبدء بمنع كل من الأنفار الثلاثة: آلدار خليل، وصالح مسلم، وغريب حسو، ومَن في حكمهم، من الإدلاء بأيّة تصريحات للإعلام، ومن ثم التعامل معهم كأناس غير مرحب بأقوالهم في هذه المرحلة الحرجة، وبالتالي جعل حال واحدهم حال الجوّال في وضعية الصامت حتى إشعارٍ آخر.

 

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الآونة الأخيرة، وبشكل خاص بعد حرب الأربعين يوماً، يقوم النظام الديكتاتوري الحاكم في إيران بإعدام الشباب الإيراني تحت ذرائع مختلفة ومفبركة. كيف تعمل السلطة القضائية في النظام الإيراني؟ ممَ يخشى النظام؟ ولماذا يرتعب من الكشف عن الهوية الحقيقية للسجناء؟ لماذا ينتفض الشباب احتجاجاً ضد النظام الحاكم؟ هذه كلها تساؤلات يجب النظر إليها بعمق والغوص في خفاياها…

بدعوة من مركز الجالية الكردستانية وجمعية آشتي شارك وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا ضم الوفد كل من عبد الكريم حاجي رئيس الممثلية ومحمد امين عمر عضو مكتب الرئاسة وكاميران خلف مسؤول مكتب العلاقات ورئيس محلية بلجيكا بحري بشير وآراس محمد إسماعيل في ندوة سياسية تناولت قرار البرلمان البلجيكي المتعلق بحقوق الشعب الكردي في كردستان سوريا. وحضر…

محمود أوسو بين فترة وأخرى تطل علينا أصوات تدعي الأكاديمية لتنكر وجود الكرد في سوريا، وآخرها ما صرح به حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، من نفي لأصل الكردفي البلاد ووصفهم بـ الغرباء السؤال البسيط هل كانت سوريا موجودة أصلاً عندما كان الكرد يبنون دمشق وحلب وحماة وقلعة حصن الاكراد وقلعة حلب وهل شرف المهنة الأكاديمية يسمح…

مموجان كورداغي السؤال الأبرز الذي يبادر إلى عقل الإنسان السوي هو كيف لشعب أن يدعم ويساند منظمة تستنزف كل طاقاته البشرية وتدمر موارده المادية وتضر بمصالحه القومية فهو أمر غير منطقي وغير سليم ولابد من أن يكون هناك خلل ما. ومع ذلك ترى هذا الشعب يساند من يثقل كاهله بالأعباء و يحد من فرص تقدمه وتدعم وبقوة من يصبح…