الإعلام في زمن الأزمة: كيف تُدار المعركة؟ وما هو الحل؟

سيروان بركو
في ظلّ الأزمة السورية الراهنة، لم يعد الإعلام مجرّد ناقل للأحداث، بل تحوّل إلى ساحة مواجهة بحدّ ذاتها. الضغط على قوات سوريا الديمقراطية وعلى الكرد لا يُمارس عسكرياً فقط، بل يُدار بشكل منظّم عبر الإعلام، وبأدوات مدروسة.
في دمشق، تُستخدم السلطة الإعلام كجزء من استراتيجيتها السياسية، مستفيدة من دعم مباشر وغير مباشر من تركيا ودول خليجية حليفة، تملك منصّات إعلامية ضخمة، وموارد مالية، وقدرة عالية على التأثير في الرأي العام السوري والعربي والتركي.
الهدف ليس نقل الوقائع، بل إعادة صياغة السردية:
– تصوير قسد كـ«مشكلة» لا كشريك في سوريا الجديدة
– اتهام الكرد بالفوضى، بدل الاعتراف بأن غياب الحل السياسي هو السبب الجوهري للأزمة
– تغييب السياق التاريخي والواقعي للصراع
– خلق انطباع بأن “الاستقرار” لا يتحقق إلا بإقصاء القوى المحلية
هذه ليست أخطاء مهنية عابرة، بل سياسة إعلامية، تقوم على التكرار، والانتقائية، واستدعاء خطاب “محاربة الإرهاب” عند الحاجة، وتجاهله عند الحاجة.
كيف يجب التعامل مع هذا الواقع؟
أولًا: التوقّف عن ردّ الفعل
الوقوع في فخ الدفاع المستمر، يُضعف الرسالة. المطلوب خطاب هادئ، ثابت، لا يلهث خلف كل اتهام، بل يقدّم سردية متماسكة طويلة النفس.
ثانيًا: بناء خطاب مهني لا عاطفي
اللغة الانفعالية تخدم الخصم. ما يُقنع الرأي العام هو الأرقام، الوقائع، الشهادات الموثّقة، والقصص الإنسانية العابرة للهويات.
ثالثًا: مخاطبة الخارج لا الاكتفاء بالداخل
المعركة ليست داخل سوريا فقط. يجب الاستثمار الجدي في الإعلام الدولي، والمنصّات غير العربية، وعدم ترك السردية تُكتب حصرياً في غرف أخبار محسوبة سياسياً.
رابعاً: فصل النقد عن التخوين
الاعتراف بالأخطاء يعزّز المصداقية. الدفاع الأعمى يُفقد الثقة. الإعلام الذكي يميّز بين نقد مشروع وحملات ممنهجة.
خامساً: تحويل القيم إلى رسالة
الحديث عن التعددية، حماية المدنيين، حقوق المكوّنات، والعيش المشترك، يجب أن يكون عملياً، يومياً، لا شعاراتياً. القيم تُقنع أكثر من البيانات السياسية.
الخلاصة
السلطة في دمشق وحلفاؤها يستخدمون الإعلام كسلاح ناعم، لكن فعّال. مواجهته لا تكون بالصراخ، ولا بالإنكار، بل بإعلام أذكى، أهدأ، وأكثر مهنية.
في زمن الأزمات، من يربح السردية، يربح نصف المعركة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

نظام مير محمدي كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني   على امتداد أكثر من أربعة عقود، جرب المجتمع الدولي مختلف السبل في التعامل مع النظام الإيراني، من الحوار إلى المفاوضات، ومن العقوبات إلى الضغوط السياسية، ولكنه لم ينجح في الوصول إلى حل جذري يضع حداً للأزمة التي باتت تلقي بظلالها على أمن المنطقة واستقرارها. والأسوأ من ذلك أن…

م. أحمد زيبار بعد الحرب العالمية الأولى، وما رافقها من تقسيم للمنطقة وتجزئة كردستان، أصبح جزء من الشعب الكردي ضمن الدولة السورية الحديثة، التي مضى على قيامها أكثر من قرن. ومع مرور السنوات، وبفعل سياسات التهميش والتمييز وغياب الإنصاف تجاه الكرد، تبلورت لديهم قضية قومية وحقوقية، وبدأت معها محاولات تنظيم الصفوف والدفاع عن حقوقهم المشروعة. وفي عام 1957،…

صلاح بدرالدين صدر عن دار نشر – نينوى – بدمشق الأجزاء الاحدى عشرة من مذكراتي تحت عنوان ” الحركة الوطنية الكردية السورية ” إضافة الى كتاب ” الكرد في الثورة السورية ” . وبهذا الإصدار الجديد ستبلغ مؤلفاتي – ٢٩ – كتابا منذ عام ١٩٧٤ وحتى الان أي في غضون خمسين عاما ، بمعدل كتاب كل عامين ، وفي مايلي…

نجاح هيفو لم يعد أخطر ما فعلته التكنولوجيا أنها قرّبت المسافات بين البشر، بل أنها جعلت حياة الإنسان نفسها قابلة للتحول إلى سلعة. قبل أيام، وجدت نفسي أمام مشهد من المشاهد التي تبدو في ظاهرها عابرة: اهتمام جماهيري واسع بقصة طلاق شوق، وما رافقها من تداول وتفاعل ومتابعة وتفاصيل شخصية. ليس المقصود هنا محاكمة شوق، ولا الدفاع عن طرف ضد…