بين أصالة الإخلاص وأزمة القيادة الكردية في سوريا.. الرئيس مسعود البارزاني نموذجاً

جلال مرعي

 

لم تكن أزمة القيادة الكردية في سوريا طارئة أو ظرفية، بل هي نتيجة تراكم طويل من الفشل السياسي، وغياب الرؤية، وافتقاد الأصالة في العمل العام. فالمشكلة لا تكمن فقط في تشتت الأحزاب أو تضارب البرامج، بل في غياب الإخلاص للمصلحة القومية، وتحويل السياسة من مسؤولية أخلاقية إلى ساحة صراع على النفوذ والمكاسب.

على مدى سنوات، فشلت القيادات الكردية السورية في التحول إلى مرجعية جامعة، واستهلكت الشارع بالشعارات، وأغرقت الحركة السياسية في صراعات داخلية وارتهانات خارجية، ما جعل القرار الكردي هشاً، متردداً، ومنفصلًا عن تطلعات الناس.

في مقابل هذا الواقع، يبرز نموذج الرئيس مسعود البارزاني بوصفه مثالًا للأصالة في الإخلاص. فالرجل لم يكن مجرد زعيم سياسي، بل جسّد عبر مسيرته الطويلة وقائداً وفياً لقضيته، قادراً  على الموازنة بين الثابت القومي ومتطلبات الواقع، دون التفريط بأي منهما. إخلاصه لم يكن خطاباً، بل ممارسة ومسؤولية أخلاقية جعلته يحظى بثقة شعبه لعقود.

إن التفاف كثير من الكرد، ولا سيما في سوريا، حول اسم مسعود البارزاني اليوم، لا يعكس نزعة تقديس، بل خيبة أمل عميقة من قيادات محلية أخفقت في أداء دورها. إنه بحث عن نموذج صادق، لا عن منقذ، وعن تجربة تؤكد أن الإخلاص يمكن أن يصنع فرقاً حتى في أكثر السياقات تعقيداً .

ومع ذلك، فإن استحضار تجربة البارزاني يجب ألا يتحول إلى غطاء لتبرير العجز أو ترحيل المسؤولية. فالأزمة ليست في غياب الرموز، بل في غياب قيادات أصيلة تضع القضية فوق الحزب، والشعب فوق المصالح، والمستقبل فوق الحسابات الآنية.

وفي هذا السياق، تبرز مسؤولية إضافية على عاتق الرئيس مسعود البارزاني في تعاطيه مع الشأن الكردي السوري، لا من حيث حجم الدور، بل من حيث طبيعة الأشخاص الذين يُعتمد عليهم. فقد أثبتت التجربة أن الاعتماد على شخصيات طارئة، بلا تاريخ نضالي أو جذور اجتماعية أو ثقة شعبية، كان من أخطر أسباب تعميق الانقسام وتشويه النضال الكردي.

إن أي دور إيجابي مستقبلي يتطلب الاعتماد على شخصيات كردية سورية أصيلة، معروفة بتاريخها، متجذرة في مجتمعها، وثابتة في مواقفها. فالأصالة هنا معيار أخلاقي وسياسي، لا علاقة له بالمناطقية أو العائلية، بل بالثبات والصدق وتحمل المسؤولية.

إن تجربة الزعيم مسعود البارزاني ليست نهاية الطريق، بل مرآة تعكس ما يمكن أن تكون عليه القيادة حين تتجذر في الإخلاص. ويبقى السؤال مفتوحًا:

هل نملك الشجاعة للانتقال من الارتهان للأسماء إلى بناء مشروع قيادي أصيل في هذه المرحلة المفصلية ؟

أم سنبقى أسرى دلالات تعوّض غياب الإخلاص في واقعٍ أنهكته الانقسامات؟

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

نظام مير محمدي كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني   على امتداد أكثر من أربعة عقود، جرب المجتمع الدولي مختلف السبل في التعامل مع النظام الإيراني، من الحوار إلى المفاوضات، ومن العقوبات إلى الضغوط السياسية، ولكنه لم ينجح في الوصول إلى حل جذري يضع حداً للأزمة التي باتت تلقي بظلالها على أمن المنطقة واستقرارها. والأسوأ من ذلك أن…

م. أحمد زيبار بعد الحرب العالمية الأولى، وما رافقها من تقسيم للمنطقة وتجزئة كردستان، أصبح جزء من الشعب الكردي ضمن الدولة السورية الحديثة، التي مضى على قيامها أكثر من قرن. ومع مرور السنوات، وبفعل سياسات التهميش والتمييز وغياب الإنصاف تجاه الكرد، تبلورت لديهم قضية قومية وحقوقية، وبدأت معها محاولات تنظيم الصفوف والدفاع عن حقوقهم المشروعة. وفي عام 1957،…

صلاح بدرالدين صدر عن دار نشر – نينوى – بدمشق الأجزاء الاحدى عشرة من مذكراتي تحت عنوان ” الحركة الوطنية الكردية السورية ” إضافة الى كتاب ” الكرد في الثورة السورية ” . وبهذا الإصدار الجديد ستبلغ مؤلفاتي – ٢٩ – كتابا منذ عام ١٩٧٤ وحتى الان أي في غضون خمسين عاما ، بمعدل كتاب كل عامين ، وفي مايلي…

نجاح هيفو لم يعد أخطر ما فعلته التكنولوجيا أنها قرّبت المسافات بين البشر، بل أنها جعلت حياة الإنسان نفسها قابلة للتحول إلى سلعة. قبل أيام، وجدت نفسي أمام مشهد من المشاهد التي تبدو في ظاهرها عابرة: اهتمام جماهيري واسع بقصة طلاق شوق، وما رافقها من تداول وتفاعل ومتابعة وتفاصيل شخصية. ليس المقصود هنا محاكمة شوق، ولا الدفاع عن طرف ضد…