رسالة إلى الجماهير الكوردية الغاضبة: لا للشتائم ولا للشماتة… نعم للمسؤولية ووحدة الصف

سليمان سليمان

 

تعيش الجماهير الكوردية اليوم حالة غضب وانفعال عميقين عما جرى ويجري، وهذا غضب مفهوم ومشروع، بل تعبير طبيعي عن الألم والخذلان في مواجهة عدوان شرس يستهدف وجود شعبنا. غير أن خطورة هذه اللحظة لا تكمن في الغضب نفسه، بل في الطريقة التي ندير بها هذا الغضب، سياسيًا وأخلاقيًا.

في لحظات كهذه، يصبح ضبط البوصلة الانفعالية والسياسية ضرورة لا ترفًا. فالانجرار وراء ردود فعل انفعالية، أو خطاب شماتة وشتائم، لا يخدم قضيتنا، ولا يعيد حقًا، ولا يصحح مسارًا، بل يفتح ثغرات داخلية يستفيد منها الخصوم، ويحول الصراع من مواجهة العدوان إلى نزاعات داخلية عقيمة.

لسنا اليوم في لحظة تصفية حسابات داخلية، ولا في توقيت مناسب لمحاسبات آنية، رغم أن بعض الأحزاب والقيادات تتحمل بلا شك جزءًا من المسؤولية عما وصلنا إليه. لكن المعركة لم تنتهِ بعد، وتشظي الخطاب في هذه المرحلة الحساسة لا يخدم سوى من يتربّص بشعبنا وقضيته.

إن التنبيه إلى خطورة الشتم والشماتة لا يعني تبرئة أحد، ولا إنكار الأخطاء، ولا مصادرة حق النقد. على العكس، كثير من الانتقادات المطروحة اليوم محقة في جوهرها، والغضب الشعبي مفهوم في أسبابه. الإشكالية ليست في النقد، بل في شكله وتوقيته، وفي تحوله أحيانًا إلى اتهامات انفعالية وخطاب كراهية لا ينتج وعيًا ولا يصلح خللًا.

فالمحاسبة الحقيقية لا تتم عبر منصات التواصل، ولا عبر تبادل الإهانات، بل من خلال مراجعة جادة وشجاعة داخل الحركة السياسية الكوردية نفسها؛ مراجعة تعترف بالأخطاء بوضوح، وتشخص مكامن الخلل بصدق، بهدف التصحيح ومنع التكرار، لا بدافع الانتقام أو تصفية الحسابات.

ما نحتاجه اليوم هو ما يتجاوز الغضب، مهما كان مشروعًا: نحتاج إلى وعي جماعي، وخطاب مسؤول، وحماية وحدة الصف والخطاب الكوردي والكوردستاني الجامع، تلك الوحدة التي عبرت عنها الجماهير في الداخل والخارج حين كسرت الحواجز، وتجاوزت الحدود المصطنعة، وعلت فوق التحزب الضيق والأنانية السياسية.

إن حماية هذه الوحدة ليست خيارًا سياسيًا ولا مسألة قابلة للمساومة، بل واجب وطني وأخلاقي في مواجهة عدوان يستهدف شعبنا بأكمله. لان تفكك الخطاب في لحظة الألم قد يكون أخطر من الخطأ نفسه، والعدوان لا يواجَه إلا بجبهة داخلية متماسكة وخطاب عقلاني مسؤول.

أما المسؤولية، فهي لا تلغى ولا تنسى… لكنها تؤجل إلى حينها.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

محي الدين حاجي تواجه الساحة الفكرية والسياسية الكردية اليوم أزمة وعي حادة تفرضها شريحة متزايدة من الكتّاب والمعلقين هؤلاء يعتمدون على نقل الأخبار السطحية من صفحات الأنترنيت دون تدقيق، للشهرة واكتساب صفة المحلل السياسي. تعتمد تلك الأقلام على وسائل الاعلام التجارية والمحرضة وتزيف الحقائق .وتحول في نظر الشارع إلى حقائق مطلقة، مما يساهم في تزييف الوعي العام وتوجيه الجمهور نحو…

يسرى زبير في زمن التكنولوجيا، يبرز سؤال ملح: هل الذكاء الاصطناعي نعمة أم نقمة؟ في زمنٍ أصبح فيه المثقف مهمشاً، والكاتب مهملاً، والشاعر مستبعداً، والكتب مركونة على الرفوف يكسوها الغبار في الزوايا، يبرز هذا السؤال بإلحاح أكبر. في الوقت الذي كان فيه كثيرون عاجزين عن كتابة سطر واحد، أو بعيدين عن عالم القراءة والكتب، أصبحوا بين ليلة وضحاها يقدمون أنفسهم…

عزالدين ملا الساحة الكوردية السورية تمر اليوم في أكثر مراحلها تعقيداً منذ عقود، ليس فقط بسبب التحولات الكبرى التي عرفتها سوريا بعد سقوط نظام البعث والأسد، بل أيضاً بسبب التصدعات العميقة داخل البيت الكوردي نفسه والانقسام الحاد حول طبيعة المشروع السياسي الكوردي وحدود العلاقة مع السلطة السورية الجديدة وشكل الشراكة الوطنية المطلوبة في المرحلة المقبلة. فالمشهد الذي رافق انتخابات البرلمان…

حسن قاسم في خضم التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، تتكشف بين الحين والآخر مواقف وتصريحات تعيد التأكيد على ثوابت السياسة التركية تجاه القضية الكوردية. فالتصريحات المنسوبة إلى رئيس الاستخبارات الإسرائيلية السابق، والتي تحدث فيها عن نجاح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في إقناع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعدم دعم أي مشروع قد يقود إلى قيام كيان كوردي في إيران، تعكس…