المرسوم 13: صك الاعتراف المُتأخر أم فخ التنازلات الجديد؟

هجار أمين
بصفتي كوردياً سورياً عشت مأساة الحرمان من الجنسية وشاهدت كيف حوَّلت سياسات النظام السوري هويتي إلى جريمة، أتلقى خبر مرسوم الرقم 13 الجديد بعيون يملؤها التشكيك أكثر من التفاؤل، وبقلب يحمل جراح الماضي أكثر من أحلام المستقبل.
الجنسية.. تلك الكلمة التي حُرم منها آلاف الكرد السوريين منذ إحصاء 1962 المشؤوم، يعود النظام اليوم ليعدنا بإلغاء نتائجه، لكن كيف نصدق وعوداً تأتي بعد ستة عقود من التجريد والإقصاء؟ كيف نثق بمنح جنسية من نظام حولنا إلى “أجانب” في أرض أجدادنا؟ النص يتحدث عن “أصول كوردية” غير محددة المعالم، وكأن هويتنا تحتاج إلى تعريف من قبل من أنكرها طوال سنين.
اللغة الكوردية التي حُوربت في المدارس، والتي كنا نتعلمها سراً خوفاً من بطش النظام، تُعلن اليوم “لغة وطنية”، لكن العبارة تبقى حبراً على ورق ما دامت تفتقر إلى صفة “الرسمية”، السماح بتدريسها كلغة “اختيارية” في مناطق “ذات كثافة كردية” يذكرنا بالوصاية القديمة ذاتها، فمن يحدد هذه المناطق؟ ومن يضمن أن لا تتحول المدارس إلى ساحات جديدة لمراقبة نشاطنا الثقافي؟
عيد النوروز، رمز مقاومتنا وربيع أحلامنا، يُعلن عطلة رسمية، لكن وصفه بـ”عيد وطني يعبر عن الربيع والتآخي” يحاول نزع روحه النضالية وتحويله إلى مناسبة باهتة تخدم خطاب النظام عن “الوحدة الوطنية”. النوروز في وجداننا ليس مجرد احتفال بالربيع، بل هو تجديد للعهد بالحرية والكرامة.
توقيت مريب، لماذا الآن؟ لماذا يصدر هذا المرسوم بالتزامن مع التصعيد العسكري في مناطقنا؟ أهو محاولة لكسب رضا دولي أم ورقة تفاوضية جديدة؟ أم هو مجرد مسكن مؤقت لآلام لم يعد يُطاق صبرها؟ النظام الذي حارب هويتنا لعقود لا يمكن أن يتحول بين ليلة وضحاها إلى حام لها.
كشاب كوردي وكناشط مدني، أرى في هذا المرسوم اعترافاً متأخراً بحقوقنا، لكنه اعتراف جاء على طريقة النظام: نصف اعتراف، ونصف إنكار، نصف حلول، ونصف وعود، نصف حقوق، ونصف قيود.
الخطر الأكبر يتمثل في أن يصبح هذا المرسوم غطاءً لاستمرار سياسات التمييز بشكل أكثر رقة، أو أن يتحول إلى أداة لتقسيمنا بين “كورد موالين” قبلوا بالهدايا الزائفة، و”كورد معارضين” يطالبون بحقوق كاملة غير منقوصة.
نحن لم نعد نرضى بالفتات، لقد تعلمنا من دروس الماضي أن الحقوق تُنتزع انتزاعاً، لا تُمنح منّة، نظام لا يحترم دستوره الخاص، ولا يلتزم بالاتفاقيات الدولية، كيف نثق بأنه سيلتزم بمرسوم يمكن إلغاؤه بين عشية وضحاها؟
نحن هنا.. على هذه الأرض، لم نصل حديثاً ولن نرحل، حقوقنا ليست منحة تستجدى، بل هي واجب يستوفى، المرسوم الجديد قد يكون خطوة في الطريق، لكن الطريق طويل وشائك، سنراقب كيف تتحول الكلمات إلى أفعال، والوعود إلى واقع، حتى ذلك الحين، يبقى حذري هو رفيقي، وشكوكي هي درعي.
الثقة تبنى بالأفعال، لا بالأقوال،
والحرية تُنتزع بالكرامة، لا تُمنح بإذن.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس مؤتمرات التفكير بدل مؤتمرات الوحدة الشكلية. ليست مشكلة الحراك الكوردستاني اليوم في غياب شعار الوحدة، بل في الطريقة التي جرى بها فهم هذا الشعار وممارسته. فالوحدة الكوردية كانت، وما تزال، من أكثر الشعارات حضورًا في الخطاب السياسي الكوردي، غير أن كثرة الحديث عنها لم تُنتج، في أغلب الأحيان، واقعًا سياسيًا موحدًا بقدر ما أنتجت سلسلة متكررة من…

صلاح بدرالدين نشرت صحيفة – جمهوريت – التركية مؤخرا عن ” لقاء كل من مظلوم عبدي ، والهام احمد بعبدالله اوجلان في ايمرلي بشهر آذار المنصرم ” ، في وقت تجري تحضيرات للقاء جديد بعد ، تلميحات وتصريحات سابقة عن علاقات حسنة بين مسؤولي جماعات – ب ك ك – السورية من جهة والسلطات التركية من الجهة الأخرى ، ومنذ…

حاوره: عمر كوجري قال محمد إسماعيل سكرتير الحزب الديمقراطي الكوردستاني- سوريا، ورئيس المجلس الوطني الكوردي في سوريا إن فشل كونفرانس «وحدة الموقف والكلمة الكوردية» هو نتيجة تراكمات سياسية وتنظيمية عميقة. من أبرز هذه الأسباب غياب الإرادة السياسية الحقيقية وروح الشراكة لدى بعض الأطراف، حيث بقيت الحسابات الحزبية الضيقة متقدمة على المصلحة القومية العامة، فقد تمّ الدفع بما يسمّى…

اكرم حسين تشكل القضية الكردية في سوريا أحد أبرز التحديات السياسية والاجتماعية التي تواجه سوريا الحديثة، وهي قضية متجذرة في التاريخ وتعكس تعقيدات التركيبة الديمغرافية السورية. فالقضية الكردية ليست مسألة أقلية عرقية تبحث عن الاعتراف بهويتها ، بل هي قضية وطنية بامتياز تمس نسيج المجتمع السوري وتؤثر على مستقبل الدولة السورية ككل. إن فهم البعد الوطني لهذه القضية يتطلب تحليلا…