مرسوم “الحقوق الثقافية”: مناورة سياسية تحت ظلال المدافع

عبد الباقي اليوسف  

أصدر رئيس الحكومة السورية الانتقالية اليوم مرسوماً يقضي بمنح بعض الحقوق الثقافية واللغوية للكورد، وإلغاء جملة من الإجراءات العنصرية الموروثة. وللوهلة الأولى، قد يبدو هذا المرسوم خطوة في الاتجاه الصحيح، إلا أن قراءة متأنية للسياق الزمني والسياسي الذي صدر فيه، تكشف أنه ليس سوى “فخ دبلوماسي” أُعدَّ بعناية في الغرف المظلمة، وبتوجيه تركي مباشر.

أزمة الثقة ونهج “النكوص” إن أول ما يثير الريبة في هذا المرسوم هو توقيته؛ فلو كانت الحكومة الانتقالية جادة في بناء “سوريا الجديدة”، لكان الأجدى بها إصدار مثل هذه المراسيم كخطوة أولى لبناء الثقة فور تسلمها السلطة، لتمهيد الطريق أمام حوار وطني شامل. لكن أن يأتي المرسوم اليوم، بعد سلسلة من الوعود المنقوضة، فهذا يجعل “الأمان” مفقوداً سلفاً. إن رئيس الحكومة نفسه هو من وقع على “اتفاقية العاشر من آذار” ولم ينفذها، وهو من انقلب على “اتفاقية الأول من نيسان” بخصوص حيي الأشرفية والشيخ مقصود، رغم أن قوات (قسد) نفذت التزاماتها بالكامل. لقد رأينا جميعاً ثمن ذلك الانقلاب: قتلاً، ودماراً، وتمثيلاً بجثث الشهداء وحرقها في شوارع حلب.

أهداف المرسوم: تفخيخ البيت الكوردي هذا التحرك لا ينفصل عن الحشود العسكرية التي تتجمع اليوم في منطقة “دير حافر”؛ فالمخطط واضح وتفوح منه رائحة السياسة التركية:

ضرب وحدة الصف: يهدف المرسوم إلى خلق شرخ بين الحاضنة الشعبية الكوردية وبين قواتها العسكرية (قسد)، عبر تقديم “إغراءات ثقافية” شكلية مقابل التخلي عن الضمانات الأمنية والسياسية.

الهروب من استحقاقات الحزام العربي: تجاهل المرسوم بشكل مريب قضية “الحزام العربي” وتداعياتها الكارثية، وهي الجرح النازف الذي لا يمكن الحديث عن عدالة انتقالية بدونه.

تكريس الإقصاء السياسي: المرسوم يمنح “حقوقاً لغوية” لكنه يغفل تماماً أي مشاركة سياسية حقيقية في حكم سوريا، أو أي شكل من أشكال الإدارة الذاتية ضمن إطار الدولة، مما يعني بقاء الكورد “رعايا” بامتيازات ثقافية، لا “شركاء” في الوطن والقرار.

رسالة إلى القوى السياسية الكوردية: إن من يهدم أساس بيتك ويحرق محاصيلك، ثم يقدم لك “طلاءً جديداً” للجدران المتصدعة، لا يفعل ذلك حباً بجمال بيتك، بل ليخدعك عن حقيقة أن السقف يوشك أن ينهار فوق رأسك. هذا المرسوم ليس سوى “طعمٍ” في سنارة الصياد؛ يهدف إلى امتصاص الغضب الشعبي، وتخدير الجبهة الداخلية لتسهيل الاجتياح العسكري القادم نحو شرق الفرات.

 

يجب على قوانا السياسية ألا تنطلي عليها وعود “السراب” التي جربنا مرارتها لعقود. المطلب اليوم ليس مجرد “إذن” رسمي يمنحنا حق الكلام بلغاتنا – فهذا حقنا الطبيعي الذي لا يمنحه أحد – بل المطلب هو حوار وطني شامل يضع حلولاً جذرية لمجمل أزمات البلاد. إن قضية الشعب الكوردي هي قضية أرض، وشراكة وطنية، وهوية سياسية دستورية، وليست مجرد “منحة” ثقافية تُعطى اليوم لتُسلب غداً بقرار أمني أو وصاية تركية ومناورات من حكومة انتقالية لم تثبت صدق نواياها بعد.

16 / 1 / 2026

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الآونة الأخيرة، وبشكل خاص بعد حرب الأربعين يوماً، يقوم النظام الديكتاتوري الحاكم في إيران بإعدام الشباب الإيراني تحت ذرائع مختلفة ومفبركة. كيف تعمل السلطة القضائية في النظام الإيراني؟ ممَ يخشى النظام؟ ولماذا يرتعب من الكشف عن الهوية الحقيقية للسجناء؟ لماذا ينتفض الشباب احتجاجاً ضد النظام الحاكم؟ هذه كلها تساؤلات يجب النظر إليها بعمق والغوص في خفاياها…

بدعوة من مركز الجالية الكردستانية وجمعية آشتي شارك وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا ضم الوفد كل من عبد الكريم حاجي رئيس الممثلية ومحمد امين عمر عضو مكتب الرئاسة وكاميران خلف مسؤول مكتب العلاقات ورئيس محلية بلجيكا بحري بشير وآراس محمد إسماعيل في ندوة سياسية تناولت قرار البرلمان البلجيكي المتعلق بحقوق الشعب الكردي في كردستان سوريا. وحضر…

محمود أوسو بين فترة وأخرى تطل علينا أصوات تدعي الأكاديمية لتنكر وجود الكرد في سوريا، وآخرها ما صرح به حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، من نفي لأصل الكردفي البلاد ووصفهم بـ الغرباء السؤال البسيط هل كانت سوريا موجودة أصلاً عندما كان الكرد يبنون دمشق وحلب وحماة وقلعة حصن الاكراد وقلعة حلب وهل شرف المهنة الأكاديمية يسمح…

مموجان كورداغي السؤال الأبرز الذي يبادر إلى عقل الإنسان السوي هو كيف لشعب أن يدعم ويساند منظمة تستنزف كل طاقاته البشرية وتدمر موارده المادية وتضر بمصالحه القومية فهو أمر غير منطقي وغير سليم ولابد من أن يكون هناك خلل ما. ومع ذلك ترى هذا الشعب يساند من يثقل كاهله بالأعباء و يحد من فرص تقدمه وتدعم وبقوة من يصبح…