مرسوم رئاسي مؤقت لتسويغ مجازر قادمة مفترضة:  التذاكي في لعبة ذرّ الرماد في العيون

إبراهيم اليوسف

 

تمخض الجبل فولد فأراً:

لا يحمل المرسوم الصادر عن” رئاسة الجمهورية” أي تحوّل فعلي في مقاربة السلطة المؤقتة للقضية الكردية، مهما بدا نصّه مطوّلاً أو لغته منمّقة، فما ورد فيه يندرج في إطار ما يصطلح عليه، ب”إعادة تدوير” لخطاب قديم، ادعاه الأسد الأب وردّده الأسد الابن متجاوزاً أباه، باعتبار الكرد موجودين في وطنهم منذ آلاف السنين، وفي صياغة جديدة، في الوقت الذي لاتزال دماء الكرد في الحيين الكرديين في حلب لما تنشف بعد، في واحدة من المجازر التي ترتقي في القانون الدولي إلى- جريمة حرب- ووسط التهديدات التركية/ السورية والحشود العسكرية في دير حافر، لتكون مرافعة استباقية عن مجازر ستقع، كما جاء في لقائه مع إيلي ناكوزي والذي حجبته فضائية شمس، هدفها الرئيس احتواء اللحظة السياسية لا معالجتها، وامتصاص المطالب لا الاستجابة لها.

يكرر المرسوم رقم “13” لعام 2026 توصيف الشعب الكردي في سوريا، بالمواطنين السوريين الكرد من خلال اعتبارهم “جزءاً أصيلاً من الشعب السوري”، وهو ما لم يكن غائباً عن الخطاب الرسمي في مراحل سابقة، لكنّه بقي دائماً بلا أثر دستوري أو سياسي أو إداري، لاسيما إن الإقرار هنا لفظيّ يمكن رفعه وإزالته بمرسوم ارتجالي، يكتب من جانب واحد، من دون أن يترتب عليه أي تعديل في بنية الدولة أو في توزيع الصلاحيات أو في مفهوم الشراكة الوطنية.

ومعروف أن الحديث عن “الهوية الوطنية المتعددة والموحدة” يُعاد استخدامه- في المرسوم- باعتباره سقفاً نهائياً لا يُسمح بتجاوزه، إذ يُبقي الاعتراف محصوراً في الإطار الثقافي، ويمنع انتقاله إلى مستوى الحقوق الجماعية أو التمثيل السياسي أو الإدارة الذاتية للشؤون الثقافية والتعليمية، ما يجعل التعدد هنا مجرد توصيف مُقيّد، لا قاعدة وطنية ناظمة.

واللافت- على نحو أشد- في ما جاء في البند المتعلق باللغة الكردية اعتبارها لغة وطنية من دون أن تُمنح صفة اللغة الرسمية أو الشريكة، ويسمح بتدريسها بوصفها خياراً تعليمياً أو نشاطاً ثقافياً، وفي مناطق يُقدَّر فيها الوجود الكردي بنسبة “ملحوظة”. هذا- العطاء- الشرعي، في واقعه محض إطار، أو غطاء فضفاض- لسد الذرائع- لفظياً، وهو يفتح الباب أمام تقديرات إدارية وأمنية، ويُبقي الحق اللغوي رهناً بإرادة الجهات التنفيذية، لا باعتباره حقاً ثابتاً ومضموناً، كأن تكون اللغة الكردية الثانية في سوريا.

أما ما يتصل بإلغاء آثار إحصاء عام 1962، فيرد بصيغة عامة تفتقر إلى آليات تنفيذ واضحة، ومن دون تحديد زمني، أو جهة مستقلة، أو مسار قانوني يضمن التطبيق. ناهيك عن أن الأهم- في رأيي- أن نص المرسوم يتجاهل كلياً مسألة المسؤولية عن هذا الإجراء، ولا يتضمن أي اعتراف بالضرر أو تعويض عنه، وكأن القضية تُطوى بمرسوم إداري لا بمساءلة سياسية.

وبديهي أن إعلان عيد النوروز عطلة رسمية يُقدَّم في المرسوم خطوة رمزية، بيد أنه يُفرَّغ من دلالته القومية والتاريخية، في سياق يعيد استيعاب الرمز ضمن سردية عامة، بدل الاعتراف به كعيد قومي لشعب حُرم طويلاً من حقه في التعبير عن ذاته.

كما إن المواد المتعلقة بالإعلام والخطاب الوطني تُعيد إنتاج منطق الضبط لا الحماية، إذ تجرّم “التحريض القومي” من دون تعريف دقيق: تحريض من ضد من؟ وإعلام سلطته مؤسس على التحريض، في بيئة اعتادت فيها السلطة استخدام هذه التهمة لتقييد أي خطاب حقوقي أو سياسي خارج الإطار المرسوم. إذ لا ضمانات لحرية التعبير، ولا آليات واضحة لحماية التعدد، بل ثمة تحذير مبطّن من تجاوز الخطوط المرسومة.

في الحقيقة، إن هذا المرسوم لا يؤسس لشراكة وطنية حقيقية، ولا يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والشعب الكردي، من خلال اعتباره مجرد مكون، من دون أن يفتح أفقاً دستورياً جديداً. وهو- بهذا- نصٌ موجه للإعلام. للاستهلاك. للمحاججة، أكثر مما هو موجّه للواقع، ويهدف إلى سحب البساط من تحت المطالب الجدية، وذرّ الرماد في العيون، عبر اعتراف شكلي لا يغيّر ميزان السلطة ولا يعالج جذور القضية.

كما إن ما هو أخطر في أهداف هذا المرسوم تحقيق ما أنيط بالحوار الذي طلب الرئيس المؤقت الشرع إجراؤه معه في الفضائية الكردستانية- شمس- لإحداث شرخ في الصف الكردي، ودعم المرتمين في أحضان سلطته بطوابير- متوقعة- من المغرّر بهم، وهوما لا ولن يغفل عنه الكرد، نتيجة وعيهم ومسؤوليتهم تجاه قضيتهم كشعب ذي خصوصية يعيش فوق ترابه، فماذا عن” كوتا الكرد” في السلطة: في رئاسة الجمهورية- الوزارات- البرلمان- المديريات العامة- ماذا عن إدارتهم لشؤونهم في مناطقهم مع شركائهم من أبناء المنطقة.

المرسوم طلقة في اللامركزية. طلقة في الفيدرالية. محاولة سحب البساط. وعبارة عن توليف ذريعة ليعلك بها الإعلاميون ومقام الرئاسة في اللقاءات الإعلامية والمنابر و والمنصات الدولية للحديث عن تزمت الكرد وعدم قبولهم بالحلول، كتسويغ لمقتلة أو مقتلات إبادية قادمة- في الوقت الذي نجد الكرة في مرمى الرئيس المؤقت نفسه. في مرمى حكومته، من أجل إقرار حقوق الكرد عبر ممثليهم الذين يستعد موفدهم إلى دمشق تقديم أوراق مطالبهم، قارعين باب دمشق.

أجل، لا يمكن التذاكي على الكرد، من خلال التلويح بفتات حقوق لم تكن مقبولة حتى قبل ربع قرن، ناهيك عما سال من دماء كردية في حماية سوريا والسوريين، في الوقت الذي كانت الميليشيات التي تحكم دمشق تدمر سوريا وتقتل السوريين!

لا للحرب بين السوريين

نعم للحوار المسؤول!

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان ليست المأساة السورية في أنها خرجت من حربٍ طويلة، بل في أنها تقف اليوم على أعتاب حربٍ جديدة، لا تخاض هذه المرة بالدبابات وحدها، وإنما بالأفكار التي تزرع في العقول قبل أن تتحول إلى بنادق في الأيدي. فكل حرب تبدأ بخطاب، وكل مجزرة تبدأ بفكرة، وكل مشروع استبداد يبدأ بإقناع الناس بأن الوطن لا يتسع إلا…

إلى أبناء شعبنا الكردي، إلى الرفيقات والرفاق في مختلف الهيئات الحزبية، إن هذا البيان لا يهدف إلى تبرير قرار انسحابنا، فالأسباب التي أوصلت حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا إلى أزمته الراهنة أصبحت معروفة لدى غالبية الرفاق وجماهير الحزب، وإنما يأتي انطلاقاً من شعور عميق بالمسؤولية تجاه تاريخ الحزب وإرثه النضالي، وتجاه تضحيات الرفيقات والرفاق الذين أسهموا في بنائه على…

علي شمدين الحقيقة أن سير العملية السياسية في البلاد، وكما هو متوقع، سيقود البلاد نحو طريق مسدود، بسبب تراكم الاحتقان الذي قد يخرج عن السيطرة وينفجر، عاجلاً أم آجلاً. وإن ما يجري ميدانياً اليوم على أرض الواقع، من تحشيد للاتجاهات الشوفينية، وتحريض للجماعات العشائرية والغوغائية، التي اجتمع شملها تحت خيم نُصبت هنا وهناك على تخوم المناطق الكردية باسم (خيم الحرب)،…

شادي حاجي قبل أكثر من قرن، لم تكن معاهدة لوزان، الموقعة في 24 يوليو/تموز 1923، مجرد اتفاق أنهى الحرب بين القوى المنتصرة والجمهورية التركية الناشئة، بل أصبحت الوثيقة التي كرست النظام الجيوسياسي للشرق الأوسط طوال القرن العشرين. وقد جاءت لوزان لتحل محل معاهدة سيفر، الموقعة في 10 أغسطس/آب 1920، التي كانت قد نصت على إمكانية منح الأكراد حكماً ذاتياً، وفتحت…