وهم المركزية وخلاص الفيدرالية: هل نبني وطناً أم نُرمم الزنزانة؟

عبدالباقي اليوسف 

إن التمسك بـ “المركزية” في سوريا اليوم ليس مجرد خيار إداري خاطئ، بل هو إصرارٌ على إعادة إنتاج ذات “الزنزانة الأمنية” التي دمرت البلاد طوال ستة عقود ونيف. إن النخب التي تحاول اليوم تسويق “الدولة المركزية” كضمانة للوحدة، تتجاهل عمداً أن هذه المركزية هي التي حولت مؤسسات الدولة إلى هياكل كرتونية، وألغت المواطنة لصالح الولاءات الفئوية، وصنعت دكتاتورية لا ترى في التنوع القومي والديني إلا “خاصرة رخوة” يجب طعنها بالتهميش والتخوين.

تُعلمنا تجارب الشعوب التي خرجت من أتون الحروب الأهلية (كسويسرا، ألمانيا، كندا، وحتى العراق) أن “الفيدرالية” لم تكن يوماً مشروع تقسيم، بل كانت “عقد الإذعان للوطن”؛ هي الوسيلة الوحيدة التي منعت التفتت عبر توزيع السلطة والثروة، ومنحت المكونات حق إدارة شؤونها، مما حوّل النزاع إلى مشاركة والشك إلى ثقة. إن الادعاء بأن الفيدرالية تقسيم للبلاد هو “كذبة كبرى” تهدف لتبرير بقاء السلطة في يد مركز واحد، يتحكم بالحجر والبشر من خلال جيش وأجهزة أمنية تُقدس الحاكم وتستعبد المواطن.

ماذا قدمت لنا المركزية منذ 1963؟ هل استعادت “لواء إسكندرون”؟ هل بنت اقتصاداً علمياً؟ هل استعاد “الجولان”؟ الواقع يقول إن المركزية أضاعت الأرض وأذلّت الإنسان، واليوم نرى نتائجها الكارثية في “عقلية الانتقام” التي برزت بمشاهد دامية ضد المكونات العلوية والدرزية، والتهديدات الوجودية المستمرة ضد الشعب الكردي. لولا وجود “قوات سوريا الديمقراطية” كأنموذج لإدارة محلية قوية، لتعرض الكرد لفظائع تفوق ما جرى لغيرهم، وهو ما يثبت أن الحماية الحقيقية تأتي من اللامركزية لا من وعود العاصمة المستبدة.

إن النخب (سواء كانت سنية قبل 1970 أو علوية لاحقاً) لم تقدم ضمانات دستورية حتى لمكوناتها، بل استغلت “المركزية” لبناء مصالح فئوية ضيقة. لذا، فإن أي تسوية حقيقية في سوريا تتطلب الانتقال الجذري إلى “اللامركزية السياسية والمالية والإدارية”. إنها الطريق الوحيد لضمان حقوق المكونات، وفي مقدمتها الشعب الكردي، عبر مواد “فوق دستورية” تحمي الصغير من تغول الكبير، والطرف من استبداد المركز.

السوريون لا يحتاجون إلى “مركزية” تُعيدهم إلى بيت الطاعة، بل يحتاجون إلى “فيدرالية” تمنحهم الحرية في مناطقهم والوحدة في وطنهم. الفيدرالية هي الحل الذي يئد الدكتاتورية في مهدها، ويجعل من سوريا وطناً يُعاش فيه، لا زنزانة يُخاف منها.

29/ 12 / 2025

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي في ظل التعقيدات المتزايدة التي تحيط بالمشهد السياسي الكردي في سوريا ، يبرز نمط من الخطاب العام يتّسم بقدر عالٍ من التوتر والانفعال ، حيث تتكرر مفردات مثل “ الخيانة ” و“ العمالة ” و“ السمسرة ” بوصفها أدوات جاهزة لتفسير الخلافات والتباينات . ورغم أن هذا الخطاب يعكس مشاعر حقيقية من القلق والإحباط ، إلا أن…

الكاتب والحقوقي: محمد عبدي يُشاهد العالم استراتيجية جديدة في الاتفاقيات الدولية والداخلية من حيث التضليل والحقيقة عن الإعلان بنود الاتفاقيات المبرمة بين الدول أو الجهات المحلية المتنازعة بكامل بنودها، الحقيقية التي تم التفاوض والقبول عليها للإعلام. وحدها التفاصيل الحقيقية هي التي تعزز المصداقية داخليا وخارجياً, فإخفاء الحقيقة عن الرأي العام يترك قلقاً دائما لدى الدول التي تربطهما مصالح مشتركة وحتى…

خوشناف سليمان تُعد إشكالية الشخصنة، وما يرتبط بها من مركزية مفرطة في العمل الحزبي، من أبرز العوامل المفسِرة لهشاشة البنى التنظيمية وكثرة الانشقاقات في الأحزاب ذات الطابع التسلطي. فعندما تتركز السلطة بيد السكرتير العام والدائرة الضيقة المحيطة به، تتقلص فرص المشاركة الديمقراطية للقواعد الحزبية، وتضعف آليات النقد والمساءلة الداخلية، ما يحول الحزب تدريجياً إلى أداة لترسيخ هيمنة النخبة بدل أن…

أطلق كل من عبدالإله عوجي، نائب سكرتير حزب يكيتي الكردستاني – سوريا، ومعروف ملا أحمد، عضو اللجنة السياسية في الحزب، نداءً عاجلا إلى رفاق الحزب وأصدقائه وجماهيره، دعوا فيه إلى تحرك فوري لاحتواء الأزمة الداخلية التي يشهدها الحزب، ووقف حالة الانقسام المتصاعدة. وجاء في النداء أن الخلافات الحاصلة خرجت من إطارها الطبيعي، وامتدت إلى القواعد الحزبية والبيئة المحيطة، ما يهدد…