لماذا أسقطنا الأنظمة… ولم نبنِ دولة؟

كفاح محمود

  في معظم دول الشرق الأوسط، وشبيهاتها في العالم، تكررت القصة بملامح مختلفة: نخبٌ سياسية، أحزابٌ، جيوشٌ، وحتى ثوراتٌ وانتفاضات، نجحت في إسقاط أنظمةٍ أو إضعافها، لكنها فشلت في بناء نظام ديمقراطي بديل يصلح ما أفسدته الدولة القديمة، والسؤال الضمني الذي يلحّ بعد كل دورة انهيار: إذا كنا عجزنا عن إنتاج ديمقراطية مستقرة، فلماذا عجزنا أيضًا عن توفير حدٍّ معقول من العدالة، بأيّ شكل من أشكال الحكم التي جرّبناها؟

  المشكلة ليست نقص الأفكار؛ فخطاباتنا مزدحمة بالوعود: (حكم الشعب، الشريعة، الاشتراكية، الدولة القوية، الاستقرار، الهوية…) لكن العدالة لا تولد من البلاغة، بل من قواعد تضبط السلطة وتمنعها من التحول إلى غنيمة، فحين تفتقر الدولة إلى قيدٍ فعّال على الحاكم-أيًّا كان اسمه أو شرعيته-تتبدّل اللافتات ويبقى الجوهر: امتيازٌ محميّ، وحقوقٌ متفاوتة، وقانونٌ يلين مع الأقوياء ويقسو على الضعفاء.

  الديمقراطية، في جوهرها، ليست صندوق اقتراع فقط؛ هي منظومة محاسبة، وقد فشلت نخب كثيرة لأنها تعاملت مع الديمقراطية كطقسٍ انتخابي، لا كعقدٍ مؤسسي: قضاء مستقل، إعلام حر، فصل سلطات، شفافية، وأحزاب لا تملك أجنحة مسلحة ولا خزائن ظل، وعندما غابت هذه الضمانات، تحولت الانتخابات إلى تفويضٍ مفتوح، أو إلى أغلبية تُصادر الدولة، فتنهزم العدالة باسم الشرعية.

  أما الأنظمة التي استندت إلى الدين أو الأيديولوجيا، فغالبًا ما وقعت في فخّ تحويل القيم إلى امتياز، الدين-مثلًا-قد يقدّم أعلى منسوب أخلاقي ضد الظلم، لكنه حين يدخل بوصفه هوية سياسية مغلقة قد ينقسم الناس إلى مراتب: هذا أقرب وذاك أبعد، والأيديولوجيا، حين تتصرف كحقيقة نهائية، تبرر القمع باعتباره “ضرورة تاريخية”، وفي الحالتين، تصبح العدالة مؤجلة: مرةً بحجة حماية العقيدة، ومرةً بحجة حماية الثورة.

  وعندما تقدّم العسكر بوصفهم بديلًا، كانت الذريعة دائمًا: الأمن أولًا، لكن الدولة التي تبتلعها المؤسسة الأمنية تُنتج نظامًا أكثر مما تُنتج عدلًا، لأن المحاسبة تُعدّ تهديدًا، والشفافية تُعدّ خيانة، والحق يُختزل في “مصلحة عليا” لا يعرفها إلا أهل السلطة، وهنا تتجدد أسطورة “”المستبد العادل”: قد نبحث عن رجلٍ صالح يعوّض غياب المؤسسات، لكن التجربة تقول إن العدالة لا تُبنى على مزاج شخص، ولا تُضمن بعده.

  فلماذا نفشل إذن؟

  لأننا نغيّر الحكام ولا نغيّر قواعد الحكم، نُسقط قمة الهرم ونترك الهرم نفسه: اقتصاد ريعي يشتري الولاءات، مجتمع ممزق بالهويات، أحزاب تُدار كعشائر، وإدارة بلا معيار، وقضاء يتنفس بإذن السلطة، في هذه البيئة، تصبح العدالة حكاية لا نظامً، وأخيرا فان الطريق إلى دولة منصفة لا يبدأ بسؤال: أيُّ نظامٍ نختار؟ بل بسؤال أدق: كيف نمنع أيَّ نظام من التوحش؟

  سيادة قانون تعلو على الجميع، قضاء مستقل لا يُؤمَر، انتخابات تُحمى من المال والسلاح، شفافية تُضيّق مساحة الفساد، اقتصاد فرص لا ريع، وتعليم مدني يصنع مواطنًا يطالب بحقه لا تابعًا يطلب رضى المتنفذ، عندها فقط يمكن أن نقترب من عدالة بشرية ممكنة: لا كاملة… لكنها قابلة للدفاع عنها.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان ليست المأساة السورية في أنها خرجت من حربٍ طويلة، بل في أنها تقف اليوم على أعتاب حربٍ جديدة، لا تخاض هذه المرة بالدبابات وحدها، وإنما بالأفكار التي تزرع في العقول قبل أن تتحول إلى بنادق في الأيدي. فكل حرب تبدأ بخطاب، وكل مجزرة تبدأ بفكرة، وكل مشروع استبداد يبدأ بإقناع الناس بأن الوطن لا يتسع إلا…

إلى أبناء شعبنا الكردي، إلى الرفيقات والرفاق في مختلف الهيئات الحزبية، إن هذا البيان لا يهدف إلى تبرير قرار انسحابنا، فالأسباب التي أوصلت حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا إلى أزمته الراهنة أصبحت معروفة لدى غالبية الرفاق وجماهير الحزب، وإنما يأتي انطلاقاً من شعور عميق بالمسؤولية تجاه تاريخ الحزب وإرثه النضالي، وتجاه تضحيات الرفيقات والرفاق الذين أسهموا في بنائه على…

علي شمدين الحقيقة أن سير العملية السياسية في البلاد، وكما هو متوقع، سيقود البلاد نحو طريق مسدود، بسبب تراكم الاحتقان الذي قد يخرج عن السيطرة وينفجر، عاجلاً أم آجلاً. وإن ما يجري ميدانياً اليوم على أرض الواقع، من تحشيد للاتجاهات الشوفينية، وتحريض للجماعات العشائرية والغوغائية، التي اجتمع شملها تحت خيم نُصبت هنا وهناك على تخوم المناطق الكردية باسم (خيم الحرب)،…

شادي حاجي قبل أكثر من قرن، لم تكن معاهدة لوزان، الموقعة في 24 يوليو/تموز 1923، مجرد اتفاق أنهى الحرب بين القوى المنتصرة والجمهورية التركية الناشئة، بل أصبحت الوثيقة التي كرست النظام الجيوسياسي للشرق الأوسط طوال القرن العشرين. وقد جاءت لوزان لتحل محل معاهدة سيفر، الموقعة في 10 أغسطس/آب 1920، التي كانت قد نصت على إمكانية منح الأكراد حكماً ذاتياً، وفتحت…