بين الثورة والاندماج… هل ما زالت الخطوة التاريخية للكورد ممكنة؟

ماهين شيخاني

بين الخطوات التاريخية وعبث الاستسلام باسم “الوحدة الوطنية”   

تاريخ الشعوب لا يُقاس بعدد حروبها ولا بعدد شهدائها، بل بقدرتها على اتخاذ الخطوة التاريخية في اللحظة الحرجة؛ تلك التي تغيّر مصيرها وتعيد رسم علاقتها بالسلطة وبذاتها.

لكن الخطوات التاريخية لا تُختزل في توقيع اتفاقيات ولا في تبديل الشعارات. إنها فعل تحوّلٍ حقيقيٍّ من موقع التابع إلى موقع الشريك، من الخضوع إلى الوعي، ومن الاضطهاد إلى العدالة.

 

حين ننظر إلى مسار حزب العمال الكوردستاني (PKK) خلال العقود الأخيرة، نجد أنفسنا أمام مفارقةٍ كبرى: حزب وُلد من رحم المظلومية الكوردية، يرفع راية الثورة والحرية، لكنه اليوم يقترب – بخطابٍ جديد – من مفاهيم الدولة التركية ذاتها، مروّجاً لمشروع “تركيا ديمقراطية موحدة” تضم الجميع دون شرطٍ قوميٍّ واضح.

وهنا تطرح الأسئلة نفسها بإلحاح:

هل هذا التحول خطوة تاريخية حقيقية..؟. أم مناورة سياسية تُخفي في جوفها استسلاماً ناعماً..؟.

 

التحول من الثورة إلى الاندماج

كان جوهر المشروع الكوردي الثوري قائماً على تحرير الإرادة والهوية والكرامة، لا على الانصهار في نظامٍ ينكر وجود الكورد أساساً.

اليوم، يبدو أن الخطاب السياسي للحزب قد تراجع عن هدف التحرر القومي إلى فكرة “العيش المشترك” داخل تركيا، دون أن تغيّر أنقرة من بنيتها العنصرية أو دستورها القومي.

فما الذي تحقق إذًا..؟. لا اعتراف بالهوية، لا ضمان دستوري للغة، لا تمثيل عادل في مؤسسات الدولة، ولا رفع للظلم التاريخي.

إنها ببساطة عملية إعادة تدويرٍ للمسألة الكوردية ضمن الإطار التركي، باسم “الديمقراطية”، لكن بدون عدالة.

 

الخطوة التاريخية الحقيقية ليست في التنازل

كل خطوة تاريخية كبرى في مسيرة الشعوب انطلقت من مبدأ الندية والمواجهة الواعية، لا من التذويب في الآخر.

الثورات لا تنتهي حين تضع البندقية، بل حين تفقد بوصلتها الأخلاقية والرمزية.

ولذلك، لا يمكن وصف الانتقال من فكرة “حق تقرير المصير” إلى “مواطنة رمزية داخل تركيا الموحدة” بأنه تطور؛ بل هو انسحاب تدريجي من المشروع القومي الكوردي نحو مشروع دولةٍ لم تعترف بعد حتى بوجوده.

 

 “الحقوق تُؤخذ بالقوة”… أيّ قوة..؟.

القوة ليست دوماً في السلاح، بل في الوعي والتنظيم والقدرة على الصمود.

حين قال الثوار إن “الحقوق تُؤخذ ولا تُعطى”، قصدوا أن الكرامة لا تُستجدى من المستبد بل تُنتزع بإصرارٍ واستمرارية.

أما أن يتحوّل النضال إلى طلب اعترافٍ رمزي داخل هويةٍ واحدة مفروضة قسراً، فهو تبديلٌ لجوهر القوة بخطابٍ تبريريٍّ مفرغٍ من المعنى.

 

بين الواقعية والاستسلام

الواقعية السياسية لا تعني التخلي عن المبدأ، بل فن إدارة الموازين دون التفريط بالجوهر.

لكن ما يجري الآن هو ترويج “سلامٍ من طرفٍ واحد”، حيث يُطلب من الكورد أن يندمجوا في “تركيا جديدة” لا تزال تمجّد أتاتورك، وتحظر اللغة الكوردية في المدارس، وتلاحق الفن والرمز الكوردي حتى في الأغاني.

أيُّ سلامٍ هذا الذي لا يغيّر شيئاً من جذور الاضطهاد..؟.

وأيُّ خطوةٍ تاريخيةٍ تلك التي تُحوّل الضحية إلى شاهدٍ على استمرار قضيته..؟.

 

بين الحلم الكردي والمصير المشترك

إن ما تحتاجه الحركة الكوردية اليوم ليس إعادة تعريف نفسها ضمن الجغرافيا التركية، بل استعادة وحدتها الفكرية والسياسية عبر مشروع كوردي جامع يربط كوردستان تركيا وسوريا والعراق وإيران، على أساس الوعي بالحقوق والحدود والهوية، لا على أساس المصالح الآنية أو الرهانات الإقليمية.

فلا يمكن لأي حركة أن تصنع التاريخ إذا فقدت بوصلة الأمة التي أنجبتها.

 

خاتمة:

الخطوة التاريخية ليست في الانحناء للعاصفة، بل في الوقوف على الأرض بثباتٍ حين ينهار الجميع.

ما يقوم به الحزب اليوم، مهما غُلِّفَ بخطابٍ ديمقراطي، هو تفريغٌ للثورة من مضمونها التحرري، وخلطٌ بين التكتيك المرحلي وبين الانصهار الوجودي.

أما الشعوب، فإنها لا تُقاس بخطابات زعمائها، بل بقدرتها على أن تقول: لا… حين يُراد لها أن تصمت.

إن الحقوق لا تُستجدى من بين يديّ الدول، بل تُنتزع بقوة الوعي، وبإرادةٍ لا تنحني،

مهما تلونت رايات الاستسلام تحت اسم “السلام”.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ولاتي مه – خاص: أعلن خمسة من أصل سبعة أعضاء في قيادة منظمة أوروبا التابعة لحزب الوحدة الديمقراطي الكُردي في سوريا انسحابهم من صفوف الحزب، وذلك عبر بيان سياسي صدر اليوم، أشاروا فيه إلى جملة من الأسباب التنظيمية والسياسية التي دفعتهم لاتخاذ هذا القرار، بعد ما وصفوه باستنفاد جميع محاولات الإصلاح الداخلي. ويأتي هذا التطور بعد أيام قليلة من إعلان…

د. حمدي سنجاري بعض الزيارات لا تُنسى. لا لأنها تُعرّفك على مكان، بل لأنها تضعك وجهاً لوجه مع معاناة بشر حقيقيين، وآمالهم التي لم تنطفئ بعد. وحين دعاني عدد كبير من أبناء سنجار، النازحين قبل أيام في دهوك وأربيل، وجدت نفسي أمام زيارة طالما أجّلتها أكثر مما ينبغي. هناك التقيت بسنجار الحقيقية. مسلمون، إيزيديون، مسيحيون. عرب وكورد وتركمان….

تلقى النائب كبرئيل موشي سلسلة من الاتصالات والرسائل من عدد من أحزاب الحركة الوطنية الكردية في سوريا، هنأته خلالها بمناسبة نيله عضوية مجلس الشعب السوري، متمنين له التوفيق والنجاح في أداء مهامه الوطنية وخدمة أبناء الوطن. وقد وردت هذه الاتصالات والرسائل من كل من: * الدكتور صلاح درويش سكرتير الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا * السيد شلال كدو رئيس…

خوشناف سليمان ما تشهده مناطق شمال وشرق سوريا اليوم هي حالة استنزاف شاملة تضرب حياة الناس في الصميم. وتستهدف القدرة على البقاء والصمود لدى جميع مكونات المنطقة و خاصة الكرد الحرائق التي التهمت آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية خلال المواسم الأخيرة لم تكن مجرد حوادث عابرة. بل جاءت متزامنة مع سياسات اقتصادية أثقلت كاهل المزارعين. فأسعار شراء المحاصيل لم تعد…