مام في الشام برؤية عربية (3)

مصطفى عبد الوهاب العيسى

إن الانفتاح الحاصل في دمشق وكونها مركزاً حيوياً في الخمسينات والستينات لكثير من المسافرين والعابرين لم يكن كافياً باعتقادي لبلورة هذه المرونة والحنكة لدى مام جلال في بناء هذه العلاقات الكردية والعربية والدولية ، وإلا ما كانت ستكون له كل هذه المساهمات ، فبعض المقيمين والسياسيين في دمشق عاشوا وعرفوا دمشق قبل قدومه بسنين طويلة وما استطاعوا إنجاز ما أنجزه مام جلال .

ربما كان لرائحة الياسمين وأمطاردمشق ليلاً و رقة طباع الدمشقيين أسبابٌ في تهدئة روع هذا الطالب الثائرُ لقضيةٍ والباحثُ عن حلٍ لها .

ربما كان سيرُ هذا الشاب و خطواته في أزقة ركن الدين وهو في طريقه لمنزل روشن بدرخان مثلاً دورٌ في تدفق أفكار جديدة لذهنه تحثه على إيجاد حل لقضاياه يُرضي ضميره من ناحية ، ومن ناحية أخرى يُجبر جيرانه على مساندته والوقوف معه و تقديم العون له .

كان يرى مام جلال بأن أهم شروط تحرر العراق و كردستان هو العلاقات الودية والمتميزة للحركة التحررية الكردية مع الوسط العربي ، و هذه الرؤية ربما لا يستهجنها اليوم معظم العرب والكرد في عصر الإنفتاح والإنترنت و تراجع الشعارات القومية ، إلا أن هذه الرؤية بالنسبة لي كانت معجزة و طفرة في الفكر السياسي لشابٍ في العشرينات من عمره ، و يعيش في زمن كانت أصوات القومية ، وحتى المتطرفة ، تعلو كثيراً فوق أي صوت .

ربما لا يختلف الكثير منا اليوم على أن مام جلال كان أمهر مهندس للعلاقات الكردية مع الوسط العربي ، و لكنني أذهب أبعد من ذلك وأقول بأنه وجب علينا أن نعده مهندساً لهذه العلاقات منذ الخمسينات والستينات .

دون الخوض في كفاح شابٍ مغتربٍ يسعى لمتابعة التحصيل الدراسي و يبحث عن اللجوء السياسي في دمشق ، أي بعيداً عن العقبات الشخصية التي رافقته ، وبعيداً أيضاً عن الفكر السياسي الذي يصعب على العقل تقبُّله أو تقبُّل وجوده لدى شابٍ في مطلع العمر تبقى الأسئلة التي تدور في أذهاننا كثيرة .

كيف استطاع هذا الشاب أن يُحدث أثراً في الوعي القومي حينها ؟

أو كيف يُساهم في كتابة النظام الداخلي والبرنامج السياسي للديمقراطيين الكرد السوريين وهو لا يزال يتلمس خطواته الأولى في الحقوق والقانون ؟

كيف يتحدث و يجد حلولاً لمعضلة التوازن بين البعدين القومي والوطني بطرح خصوصية النضال المشروع واستقلالية القرار السياسي ؟

كيف بقي طوال حياته على علاقة جيدة بالشيوعيين رغم الدور الكبير الذي لعبه في إبعاد الكرد عن الشيوعية ؟

أيَّة مرونةٍ وأيُّ ثباتٍ وأيُّ ذكاءٍ تمتع بهم هذا الشاب ليكون سابقاً لعصره و متقدماً في الفكر السياسي على أقرانه و منافسيه ؟!

إن ما أكدته لنا سلسلة مام في الشام بأن ذكاء مام جلال و بنسبة كبيرة كان فطرياً ، ولم يهمله مام جلال ، بل سعى لتطويره بجهوده الذاتية والمواقف التي عاشها طيلة حياته و أسفاره التي يسرها القدر له فأحسن استغلالها .

إن الانفتاح على الوسط العربي وهذا السعي بالتعريف بالقضية الكردية و على نطاق دولي ( كما حدث في وارسو 1955 و موسكو 1957 ) كانا ربما من أهم الأحداث التي استغلها مام جلال بشكل لا يمكن أن نتصوره لشابٍ في مقتبل العمر و يستطيع الانفتاح على الآخرين و بناء العلاقات من بوابة مؤتمرات طلابية ، و أعيد وأكرر بأن العجب يكمن في ذلك الزمن و تلك المرحلة وليس في القرن الواحد والعشرين مثلاً .

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الآونة الأخيرة، وبشكل خاص بعد حرب الأربعين يوماً، يقوم النظام الديكتاتوري الحاكم في إيران بإعدام الشباب الإيراني تحت ذرائع مختلفة ومفبركة. كيف تعمل السلطة القضائية في النظام الإيراني؟ ممَ يخشى النظام؟ ولماذا يرتعب من الكشف عن الهوية الحقيقية للسجناء؟ لماذا ينتفض الشباب احتجاجاً ضد النظام الحاكم؟ هذه كلها تساؤلات يجب النظر إليها بعمق والغوص في خفاياها…

بدعوة من مركز الجالية الكردستانية وجمعية آشتي شارك وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا ضم الوفد كل من عبد الكريم حاجي رئيس الممثلية ومحمد امين عمر عضو مكتب الرئاسة وكاميران خلف مسؤول مكتب العلاقات ورئيس محلية بلجيكا بحري بشير وآراس محمد إسماعيل في ندوة سياسية تناولت قرار البرلمان البلجيكي المتعلق بحقوق الشعب الكردي في كردستان سوريا. وحضر…

محمود أوسو بين فترة وأخرى تطل علينا أصوات تدعي الأكاديمية لتنكر وجود الكرد في سوريا، وآخرها ما صرح به حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، من نفي لأصل الكردفي البلاد ووصفهم بـ الغرباء السؤال البسيط هل كانت سوريا موجودة أصلاً عندما كان الكرد يبنون دمشق وحلب وحماة وقلعة حصن الاكراد وقلعة حلب وهل شرف المهنة الأكاديمية يسمح…

مموجان كورداغي السؤال الأبرز الذي يبادر إلى عقل الإنسان السوي هو كيف لشعب أن يدعم ويساند منظمة تستنزف كل طاقاته البشرية وتدمر موارده المادية وتضر بمصالحه القومية فهو أمر غير منطقي وغير سليم ولابد من أن يكون هناك خلل ما. ومع ذلك ترى هذا الشعب يساند من يثقل كاهله بالأعباء و يحد من فرص تقدمه وتدعم وبقوة من يصبح…