الشرق الأوسط في لحظة الحساب الكبرى

د. محمود عباس

كأنّ الشرق الأوسط قد بلغ لحظته الفاصلة، لحظةَ الحساب الكبرى التي لا تشبه ما سبقها من صراعاتٍ ولا ما تلاها من تسوياتٍ شكلية، فالمشهد لم يعد ساحةَ نزاعٍ بين دولٍ وجماعاتٍ، بل ميدانًا لإعادة تركيبتها الجيوسياسية وتعريف الوجود ذاته، من يملك الشرعية؟ من يحتكر القوة؟ ومن يحق له أن يتحدث باسم الشعوب؟ هنا، في قلب الخراب المتراكم، تتبدّل موازين التاريخ ببطءٍ وصرامة، ويخرج الوعي من تحت رماد الميليشيات والخطابات المذهبية.

 ما يجري اليوم في الشرق الأوسط، ليس حربًا جديدة فحسب، بل عملية تطهيرٍ طويلةٍ من ثقافاتٍ راكمت في الوعي الجمعي فكرة القوة كحقٍّ إلهي، والدولة كأداةٍ للهيمنة، والإنسان كذريعةٍ للعقاب.

آتونكم الحساب والتغيير الحقيقي، يا حزبَ الله في لبنان، ويا جماعاتِ الحوثي، ويا أذرعَ الحشدِ الشعبي، ومن ثم يا حكومة الجولاني. ليس كلامًا شعريًا ولا رغبةً ثأرية، بل قراءةٌ واقعية لمسارٍ إقليميٍ بدأ يتبلور عمليًا منذ لحظة اغتيال قاسم سليماني في مطار بغداد، تلك اللحظة لم تكن حادثة عابرة فحسب، بل زرعت بذور تساؤلٍ جيوسياسيٍ وثقافيٍ لا رجعة عنه، كيف نعيد رسم خرائط النفوذ، ونستبدل منطقَ الوصاية بمنطقِ الشرعية الوطنية والدولة المدنية؟

ما يجري ليس مجرّد مناورة عسكرية، إنما هو مشروع لإزالة الدور العسكري لأدوات طهران في المشرق، وإحالة المسألة من حلبة السلاح إلى قاعة التاريخ والسياسة. في التاريخ، لا تختفي الإمبراطوريات بعنفٍ دائم، بل تتبدل عبر تراكمٍ من الوعي والضغوط والأحداث التي تفضح هشاشتها. هكذا سيتبدى مصير حزبِ الله، ليس كعدوٍ مفترضٍ للشعوب، بل كظاهرةٍ شرعت، عبر امتلاك السلاح واحتكار القرار، في أن تجعل من نفسها دولةً داخل الدولة.

تلك الظاهرة لم تعد قابلة للاستمرار في عالمٍ يعيد قراءة حدود السيادة ويطالب بمبدأٍ واحد، سلطة القانون قبل سلطة السلاح. إما أن يعيد الحزب تشكيل دوره داخل الدولة والمجتمع، وإما أن يفقد الشرعية الرمزية والسياسية التي بنى عليها وجوده.

والحوثيّون أيضاً جزء من هذه الخريطة التي لا تحتمل أدواتٍ مسلّحةً تعمل ككرتٍ إقليميٍ على رقعة الشطرنج. لقد حوّلوا اليمن البائسة إلى حلبة تجاربٍ للصواريخ والطائرات المسيَّرة، لكن التجارب حين تخرج عن سياقها تتحوّل إلى عبءٍ لا يحمد عقباه. القمم الإقليمية التي كانت تقايض مصالحها بالتحالفات المؤقتة بدأت تدرك أن بقاء أدواتٍ مسلّحةٍ خارج إطار الدولة يفكك الخيوط الدقيقة للاستقرار، فالتلاقي الآن ليس لإعلاء دورٍ، بل لتقليصه، لإحلال شرعيةٍ موحدةٍ عن طريق السياسة والقانون، لا عن طريق الوصاية والميليشيات.

وفي سوريا تتساقط الأقنعة أبطأَ مما يظنّ البعض، لكن بثباتٍ أكبر مما يريده الآخرون. هيئة تحرير الشام وحكومة الجولاني لم تولدا من فراغ؛ بل نتجتا عن فراغٍ دوليٍّ واحتياجاتٍ إقليميةٍ آنية. الآن، زمن الفراغات انتهى أو يوشك أن ينتهي، المشهد السوري يواجه احتمالين تقليديين، بناء نظامٍ لامركزيٍّ وفيدراليٍّ يحترم تعددية المجتمعات وحقوقَ الشعب الكوردي والأقليات المذهبية، أو الانحدار في طريقِ انقساماتٍ مؤلمةٍ يعجز بعدها المدنيون عن استعادة ما تبقى من تماسكٍ اجتماعي. تركيا، بوصفها قوةٍ إقليميةٍ ذات إمبراطوريةٍ تاريخيةٍ وحاضرٍ معقّد، تقف أمام مفترق، إما أن تنزل من عرش الخطاب السلطوي وتقبل قواعدَ جديدة للعبة السياسية، أو تُحاصر سياسياً واقتصادياً حتى تتهاوى أنماطُ هيمنتها المفروضة. هذه الحقيقة ليست تهديدًا، بل وصفٌ لنتيجةٍ منطقيةٍ للتاريخ، الإمبراطورية العثمانية وغيرها، التي عاندت تحولات الزمان سُحِبت عنها الشرعية، والتاريخ لا يرحم من يرفض قراءة واقعه.

إنما الأسئلة الجذرية هنا ليست عسكرية بحتة، بل فلسفية، ماذا يعني أن نؤسّس دولة؟ هل الدولة عبارة عن جيشٍ يحمي حدودَها، أم عن نظامٍ قانونيٍّ يحمي كرامة إنسانها؟ الفلسفة السياسية التي تبنّيناها لعقودٍ في منطقتنا، خطاب المقاومة كغاية ووسيلةً معًا، أفضت في كثيرٍ من الحالات إلى استبدال مفهوم المواطنة بمفهوم الولاء الحركي. والآن يُطلب منّا أن نعود لنقاشٍ أساسي، كيف نبني مجتمعًا تتقاطع فيه الحريات الفردية مع الاعتراف الجماعي بالحقوق الثقافية واللغوية والسياسية؟ كيف نحول شحنات الكراهية التاريخية إلى مناخٍ يسمح بالحوار والمساءلة بدلاً من الإقصاء؟

قد تقولون إن الخطاب الحازم لا يردع من يملك السلاح؛ لكن الواقع يعلّمنا غير ذلك، الحازم الحقيقي هو الذي يقنع المجتمع الدولي والإقليمي، ويُكسب البديل شرعيةً واسعة. لذا ستلعب الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية والشرعية دورها أمام القوة العسكرية التقليدية ومن بينها القوة العسكرية التركية. ليست معركةٌ واحدة، بل سلسلة معارك، سياسية، اقتصادية، ثقافية؛ لعلّ الأهمّ فيها أن تُحرَّك الأجيال وقواها المدنية لا أن تُضاف ميليشيا جديدة، كالحمزات، والعمشات، إلى سجل النزاعات.

وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال دور الكورد والفاعلين السياسيين الحقيقيين في المنطقة. فالتصريحات التي صدرت عن قيادات إقليمية، مثل ما قاله السيد نيجيرفان برزاني بشأن قسد وغربي كوردستان، ليست مجرد إشارات عابرة؛ هي انعكاس لحواراتٍ استراتيجيةٍ تُدار في غرفٍ مغلقةٍ وتُشكّل ركائزَ لخططٍ إقليميةٍ قادمة. قيادةُ إقليم كوردستان ستبقى لاعباً مركزياً في رسم مآلات المنطقة، وأيّ تسويةٍ مستقبليةٍ ستمرّ بلا ريب عبر تفاهماتٍ إقليميةٍ ودوليةٍ تحددُ قواعدَ اللعبة. قسد وغربي كوردستان ليسا سوى شقٍّ من هذه الحقيقة المركبة؛ أيّ حلٍ دائمٍ لا يملك استبعادهم دون أن يجرّ معه مقاومةً مستمرةً وفشلًا في تحقيق استقرارٍ حقيقي.

نحن أمام زمنٍ يطلب منا إعادة قراءة التاريخ بعينٍ فلسفيةٍ وعمليةٍ معًا، فلسفيةٍ لأنّ الأسئلة حول العدالة والدولة والهوية تُعيد نفسها بقوة، وعمليةٍ لأنّ ضغوط الواقع تفرض حلولاً ملموسة، إنّ اغتيال سليماني كان حلقةً في سلسلةٍ، لكنه أيضاً علامةُ بدايةٍ لمسارٍ طويلٍ من إعادة التشكيل، هذا المسار لا يهدف إلى الثأر، بل إلى استعادةِ عقيدةٍ واحدة، لا شرعيةَ لمن يحتكر السلاح خارج إطار الدولة، ولا مشروعيةَ لمن يحمّل شعوباً تبعات انتهاكاتٍ تُرتكب باسم القِيَمِ أو الدينِ أو المقاومة.

إنها لحظةٌ تاريخيةٌ تتطلب من الجميع، قوىً دوليةً وإقليميةً ومحليةً، أن يختاروا بين ما يحفظون به مستقبل شعوبهم أو ما يدفعون به تلك الشعوب إلى دائرةٍ لا نهاية لها من التوترات. وفي قلب هذا الاختيار، تقف مهمةٌ أخلاقيةٌ وسياسيةٌ بقدر ما هي استراتيجية، تحويل الساحات من ميادين قتالٍ إلى مراكزِ صنعِ قرارٍ وطنيٍّ ديمقراطيٍّ، حيث تحكمُ قوانينٌ تُصان الكرامةُ والحقوق، وليس حساباتُ الولاءات العابرة للحدود.

هكذا تُقاسُ حضارةُ الأمم، ليس بقسوة خطابها فحسب، بل بجرأتها على مساءلة نفسها وبقدرتها على تحويل قسوة الحقائق إلى آلياتٍ لبناء مستقبلٍ أفضل. فإذا كانت القسوة في لغةٍ ما تُستعمل لفضح الظلم، فليكن ذلك، لكن لتُتبع دوماً بقوةٍ حضاريةٍ تتيح للمجتمعات أن تخرج من دور الضحية أو الجلّاد، وتدخل في عهدٍ جديدٍ من الدولة الحريّة والكرامة.

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

11/10/2025م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أمين كلين   ياسادة الافاضل : سياسة التغير الديموغرافي التي اتبعتها الحكومات السورية المتعاقبة وبدون استثناء بحق الشعب الكردي ، كانت تستهدف نقل عائلات علوية ودرزية الى الجزيرة ونفذها الوزير مصطفى حمدون في الخمسينيات القرن الماضي ( والذي لم يصدق فاليذهب الى ديريك ثم الدجلة … ) ثم تغير اسماء البلدات والقرى الكردية وتعريبها ، مثلا قريتي : كندى شيخ…

د. محمود عباس قضية اللغة الكوردية ليست قضية حروف ولهجات ومناهج فحسب، بل قضية وجود. فهي تقف في رأس هرم القضية القومية الكوردية في مجمل جغرافية كوردستان، لأن الأمة التي تُمنع من لغتها تُمنع من تسمية ذاتها، ومن كتابة تاريخها، ومن توريث ذاكرتها لأجيالها. لذلك فإن يوم اللغة الكوردية ليس مناسبة لغوية عابرة، بل يوم كوردستاني عام، يمسّ جوهر حق…

إدريس سالم   تُعدّ ظاهرة «التغيير الديمغرافي الفكري» واحدة من أعقد العمليات السياسية، التي أعادت صياغة «الوعي الجمعي الكوردي» بعيداً عن امتداده التاريخي التقليدي، إذ استهدفت استبدال المنظومات القيمية والسياسية الموروثة بكتل فكرية مؤدلجة وسرطانية عابرة للحدود، ليمثل غزواً ناعماً يتجاوز الصراع العسكري، ويطال الخرائط الذهنية للمجتمع، حيث جرى إفراغ المناطق من هويتها السياسية التعددية وحشوها بأيديولوجيات شمولية تخدم مشاريع…

آخين ولات ليست مسألة انتماء الكرد إلى الدول التي يعيشون فيها قضية يمكن اختزالها في اتهاماتٍ جاهزة أو أحكامٍ مسبقة عن “الولاء” و”الاندماج”. إنها، في جوهرها، مرآةٌ تكشف طبيعة العلاقة بين الدولة ومواطنيها، وحدود قدرتها على استيعاب التعدد داخل إطارٍ وطنيٍ جامع. فعلى مدى قرنٍ تقريباً، نشأت في المنطقة دولٌ حديثةٌ رفعت شعارات الوحدة والسيادة، لكنها تعاملت مع التنوع القومي…