خطاب اللامركزية: بين خوف السلطة وتجربة العالم

عبدالباقي اليوسف

أثار التصريح الأخير للرئيس السوري، أحمد الشرع في أمريكا، جدلًا واسعًا بوصفه لمشروع “اللامركزية” الذي يطرحه الكرد، ومعظم مكونات الشعب السوري، وقوات “قسد” بأنه يمثل “التقسيم” ويهدد بـ”حرب واسعة”. هذا الخطاب الذي يربط بين اللامركزية والتفتيت يتعارض بشكل صارخ مع التجارب العالمية؛ فالعديد من الدول الأكثر قوة، تقدماً، ديمقراطية، ورعاية لحقوق الإنسان، ونجاحًا اقتصاديًا في العالم، تعتمد على النظام الفيدرالي (الاتحادي). على النقيض من ذلك، أثبتت تجارب الدول المركزية في منطقة الشرق الأوسط فشلًا ذريعًا، مما أدى إلى نشوء أنظمة استبدادية مارست حتى الإبادة الجماعية ضد شعوبها. إن التمسك المفرط بالمركزية ليس خوفًا من التقسيم، بل هو خوف من تقاسم السلطة، والديمقراطية، الذي يراه حكومة أحمد الشرع تهديدًا لوجوده.

تتجلى تناقضات خطاب الشرع في عدة نقاط رئيسية. أولًا، يطالب الشرع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) باحترام الاتفاقية المبرمة مع قائدها العام الجنرال مظلوم عبدي، في حين أنه ذاته من خرق هذه الاتفاقية بعد أيام قليلة من توقيعها، عبر المضي في تشكيل مؤسسات انتقالية (كلجان صياغة الدستور، الإعلان الدستوري، …) دون مشاركة المكونات السورية الأخرى. هذا الإقصاء الممنهج يعيد إنتاج عقلية الاستفراد بالسلطة، مما يقوض أي مبدأ للشراكة الوطنية.

ثانيًا، يأتي طلب الشرع بـ اندماج “قسد” في الجيش السوري، وهو جيش يعترف الشرع نفسه بأنه يعاني من فصائل “غير منضبطة” ويضم مجموعات تابعة لدول إقليمية، مثل “قوات السلطان مراد” و”العمشات”، و”الحمزات” الموالية لتركيا. فكيف يُطلب من قوة منضبطة أثبتت كفاءتها في مكافحة الإرهاب، الاندماج في هيكل يعترف رئيسه بتشرذمه واختراقه الأجنبي؟ وفي حين لم ترفض قسد فكرة الاندماج، إلا أنها تصر على ضرورة إيجاد آلية تضمن بقاءها كقوة تحافظ على الأمن والاستقرار في شرق الفرات.

تحريض إقليمي وتهديدات مبطنة

الأخطر من ذلك هو قيام الشرع بتحريض دول الجوار، وتحديدًا تركيا والعراق، ضد بقاء “قسد” كقوة استقرارية، مدعيًا أنها قد تعرضهما لمخاطر. في الحقيقة، يهدف الشرع من هذا التحريض إلى شرعنة حرب محتملة ضد الكرد تحت مسمى “محاربة قسد” المدعومة من التحالف الدولي. فوجود قسد كقوة فاعلة ذات كفاءة عالية هو ما يمنع دمشق من شن هجوم مباشر، مما يدفعها لتقديم التنازلات لقوى إقليمية ودولية لكسب تأييدها في حربها ضد قسد.

إن هذه التهديدات ليست مجرد خطاب نظري. فالمكونات التي سلمت سلاحها الثقيل في بداية عهد الشرع، مثل العلويين والدروز، عانت لاحقًا من مجازر جماعية على يد قوات محسوبة على وزارتي الدفاع والداخلية. هذا السجل الدموي يضع مكونات شرق الفرات، وقواته في حالة حذر قصوى من أي مطالبات بتسليم السلاح قبل التوصل إلى حل سياسي شامل وعادل يضمن حقوق الجميع.

يدعي الشرع أن “حقوق الكورد مصانة” وأن “الدستور السوري سيحفظ حقوق الكورد لأنهم تعرضوا لظلم”، لكنه يقدم ذلك وكأنه “صدقة” مشروطة بصياغة الدستور. في المقابل، لم يؤجل الشرع الإجراءات التي تخدم سلطته لحين صياغة الدستور؛ فقد سارع إلى تغيير شعار الدولة، والعلم السوري، وحل الجيش وتشكيل جيش على “مقاسهم”. هذا الكيل بمكيالين ينسف مصداقية وعوده.

إن بناء دولة حقيقية، والحفاظ على وحدتها وسيادتها، لا يبدأ بتقديم التنازلات لدول الجوار والقوى الدولية مقابل دعم سلطة فردية، بل يبدأ بـالبناء الداخلي الشفاف. يتطلب ذلك المشاركة الحقيقية لجميع مكونات الوطن، واحترام خصوصياتها، وإشراك المرأة، ونبذ العقلية الإقصائية. إن مفتاح وحدة سوريا يكمن في عدالة التمثيل وليس في مركزية القمع.

23 /9 /2025

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

كفاح محمود ليست أخطر أزمات السياسة تلك التي تنشأ من الصراع بين السلطة والمعارضة، فذلك أمر طبيعي في كل نظام ديمقراطي، إنما تبدأ الأزمة الحقيقية عندما تختلط الحدود بينهما، فيولد ما يمكن تسميته بـ “التهجين السياسي”؛ حالة يصبح فيها السياسي شريكًا في الحكم، ومعارضًا له في الوقت نفسه، يتمتع بامتيازات السلطة، لكنه يرفض تحمل مسؤولياتها. التهجين السياسي ليس مرونة، ولا…

صلاح بدرالدين لو توفرت شروط انعقاد المؤتمر الكردي السوري الجامع الذي ننادي به ، ونعمل من أجله منذ تسعة أعوام في العاصمة الوطنية دمشق ، وهي كماأرى شرطان : الأول – التوافق الكردي على تشكيل لجنة تحضيرية ، الثاني : موافقة الحكومة الانتقالية مع تسهيلات لوجستية ، كنت ساقدم المقترحات التالية : أولا – الاتفاق على تكليف لجنة تحضيرية للاعداد…

د. إسماعيل حصاف يفرض الواقع السوري المعاصر سؤالاً ملحاً على النخب والفعاليات الكردية: ما العمل وما المطلوب من الحركة الكردية اليوم؟ وكيف يمكن مواكبة التطورات المتسارعة والسيناريوهات القادمة لسوريا المستقبل؟. إن الإجابة عن هذه الأسئلة تحدد مدى الأهلية التاريخية لحمل ثقل القضية الكردية المزمنة في سوريا، وهي القضية التي مرت بمحطات معقدة بدءاً من تقسيم كردستان المركزية استعمارياً بناءً على…

محمد سعيد آلوجي بعد اختيار عددٍ من الشخصيات الكوردية لعضوية البرلمان السوري المؤقت، بات هذا الأمر واقعًا سياسيًا يستدعي التعامل معه بمسؤولية ووعي، بعيدًا عن ردود الفعل الانفعالية أو الأحكام المسبقة. وسواء جاء هذا الاختيار بهدف تمثيل الكورد في سوريا، أم في إطار تعزيز الثقة بين الشعب الكوردي والسلطة الانتقالية، وترسيخ أسس الاستقرار والأمن في البلاد، فإن النتيجة تفرض علينا…