الدور الإيجابي للمساجد في بناء جسور المحبة والسلام بين مختلف مكوّنات الشعب:

خالد بهلوي

المساجد، وكلّ دور العبادة التي وُجدت على مرّ التاريخ، إنّما كانت لتزكية النفس وطهارة البدن وربط الإنسان بالإله. والهدف من العبادات هو تهيئة الإنسان وتنقيته من الشرور ليكون إنسانًا مصلحًا في الدنيا، ويسهم في إقامة مجتمع مثالي، ويسعى لبناء “جنة” على الأرض لكلّ أفراد المجتمع بما يرضي الله في الحياة الدنيا، قبل أن تكون العبادة نجاةً له من العذاب في الآخرة.

في كلّ مرحلة بناء بعد حرب أو أزمة، يبرز سؤال جوهري: ما دور المؤسسات الدينية في النهوض بالمجتمع؟ في سوريا الجديدة، من الحكمة أن تتقدّم المساجد الصفوف لتكون أكثر من مجرّد دورٍ للعبادة، بل مناراتٍ للعلم، ومراكزَ للتواصل الاجتماعي، ومنابرَ للإصلاح والتوجيه.

تشكل المساجد فضاءً رحبًا لتعزيز الوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعي، فهي تستقبل جميع أبناء المجتمع دون تفرقة طائفية أو مناطقية أو قومية، ما يجعلها منصّةً رائدة لنشر قيم التسامح والحوار والعيش المشترك، ونبذ خطاب التحريض والكراهية الذي انتشر بكثافة في السنوات الأخيرة، وبذلك تُعزّز روح المواطنة والانتماء للوطن.

وتضطلع المساجد بدورٍ تربوي وثقافي راسخ، من خلال تنظيم الدروس والمحاضرات التوعوية التي تزرع قيم العمل والإنتاج، وأهمية التعليم، وحماية البيئة، والتمسّك بالأخلاق الفاضلة. إنّها بذلك تُربي جيلًا جديدًا متسلّحًا بالعلم والاعتدال والوسطية، وتخلق حالةً من الارتباط والانسجام مع بيوت الله.

كما يمكن للمساجد أن تكون جسورًا للمصالحة المجتمعية عبر مبادرات إصلاح وحلّ النزاعات بين مكوّنات المجتمع المختلفة، وإعادة بناء الثقة بين المواطنين.

ولا يقف دورها عند هذا الحد، بل يمتدّ إلى تقديم الخدمات الاجتماعية، مثل حملات الإغاثة وجمع التبرعات للفقراء والأيتام، إلى جانب التبرع لبناء دور العبادة والمبادرات التطوعية في الأحياء، مثل حملات النظافة، لتكون شريكًا حقيقيًا في التنمية المجتمعية.

ويظلّ الدور الأخلاقي لأئمّة وخطباء المساجد، ولا سيّما خطباء الجمعة، حجر الزاوية في هذا البناء؛ إذ يجب أن يعملوا بروح المتديّن الحقيقي بعيدًا عن أي إملاءات أو مصالح ضيّقة، فلا يحكم في إرشاداتهم إلّا التعاليم الدينية الرشيدة. فالمساجد منابر لغرس القيم التي يحتاجها كلّ مواطن: الأمانة، والنزاهة، واحترام القانون، والالتزام بالعمل الجادّ.

إنّ تفعيل هذا الدور الإيجابي سيجعل من المساجد قوّةً فاعلة لإعادة بناء أيّ بلد، ليس فقط من الناحية المادية، بل أيضًا من الناحية الفكرية والإنسانية، بما يعيد للمجتمع تماسكه وقيمه الأصيلة، ويؤسّس لمستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا. ولن يكون هذا الدور مؤثّرًا إلّا بتعاون جميع أفراد المجتمع ومؤسساته الرسمية والمدنية لتحقيق رؤية آمنة ومزدهرة للجميع.

الإسلام أعمق وأشمل من أن يُختزل في قوائم الحلال والحرام، وهو لا يعني الانغلاق في قوالب ضيّقة يروّج لها بعض الجهلة لتحقيق مصالح شخصية على حساب الدين والتديّن الإسلامي الحقيقي. ومن هنا تأتي مسؤولية رجال الدين في الدعوة إلى الحوار دون المساس بالثوابت الدينية، ونشر العلم الديني بين الناس لتقديم النفع والفائدة.

فليعلم كلّ من يلبس عباءة الدين بجهل ويبثّ الخرافات والأساطير الوهمية من خياله ليكسب ودّ الإنسان البسيط الباحث عن تعاليم دينية حقيقية أنّه قد لا ينال من صلاته إلا الركوع والسجود، وربَّ صائمٍ لا ينال من صيامه إلا الجوع والعطش. فجوهر الدين قيمٌ وسلوكٌ وإصلاحٌ للذات والمجتمع، لا مظهرٌ أو شعار.

وربطُ دور العبادة بالمجتمع من خلال المساهمة في تقديم الخدمات الصحية والتعليمية، وتشكيل لجان طوعية يُبدَّل أعضاؤها سنويًا من أفراد المجتمع المحيط بالمسجد – كما في الكنائس حيث توجد لجان: لجنة التعليم، لجنة قطاع الصحة، لجنة دفن الموتى، لجنة مساعدة الأيتام والعجزة – من شأنه أن يحوّل هذه الرؤية إلى واقع. وهذا يحتاج إلى إرادة صادقة وتعاون جميع أفراد المجتمع… لتصبح المساجد فعلًا مناراتٍ لبناء الإنسان والوطن.

يقول أحد مفكّري الإسلام: «أدعو كلّ علماء وخطباء المساجد إلى زيارة أوروبا والعيش والاختلاط بالمجتمعات الأوروبية ليعرفوا حقيقة الإنسان غير المسلم على أرض الواقع، لا من خلال الأحاديث المنقولة والتصوّرات الخاطئة».

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الآونة الأخيرة، وبشكل خاص بعد حرب الأربعين يوماً، يقوم النظام الديكتاتوري الحاكم في إيران بإعدام الشباب الإيراني تحت ذرائع مختلفة ومفبركة. كيف تعمل السلطة القضائية في النظام الإيراني؟ ممَ يخشى النظام؟ ولماذا يرتعب من الكشف عن الهوية الحقيقية للسجناء؟ لماذا ينتفض الشباب احتجاجاً ضد النظام الحاكم؟ هذه كلها تساؤلات يجب النظر إليها بعمق والغوص في خفاياها…

بدعوة من مركز الجالية الكردستانية وجمعية آشتي شارك وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا ضم الوفد كل من عبد الكريم حاجي رئيس الممثلية ومحمد امين عمر عضو مكتب الرئاسة وكاميران خلف مسؤول مكتب العلاقات ورئيس محلية بلجيكا بحري بشير وآراس محمد إسماعيل في ندوة سياسية تناولت قرار البرلمان البلجيكي المتعلق بحقوق الشعب الكردي في كردستان سوريا. وحضر…

محمود أوسو بين فترة وأخرى تطل علينا أصوات تدعي الأكاديمية لتنكر وجود الكرد في سوريا، وآخرها ما صرح به حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، من نفي لأصل الكردفي البلاد ووصفهم بـ الغرباء السؤال البسيط هل كانت سوريا موجودة أصلاً عندما كان الكرد يبنون دمشق وحلب وحماة وقلعة حصن الاكراد وقلعة حلب وهل شرف المهنة الأكاديمية يسمح…

مموجان كورداغي السؤال الأبرز الذي يبادر إلى عقل الإنسان السوي هو كيف لشعب أن يدعم ويساند منظمة تستنزف كل طاقاته البشرية وتدمر موارده المادية وتضر بمصالحه القومية فهو أمر غير منطقي وغير سليم ولابد من أن يكون هناك خلل ما. ومع ذلك ترى هذا الشعب يساند من يثقل كاهله بالأعباء و يحد من فرص تقدمه وتدعم وبقوة من يصبح…