نهاية قيصر وشجرة ميلاد قصر الشعب السوري 

المهندس باسل قس نصر الله

بدأت قصة قانون قيصر عندما انشقّ المصوّر العسكري السوري “فريد المذهّان” عام 2013 — والذي عُرف لاحقاً باسم “قيصر” — ومعه المهندس المدني أسامة عثمان والمعروف بلقب “سامي”، حيث نفذ المذهان أضخم عملية تسريب للصور من أجهزة الأمن ومعتقلات نظام الأسد، شملت هذه الصور آلاف المعتقلين بعد قتلهم تحت التعذيب وتعاون الإثنان في عملية تهريب الصور.

وأخذوا معهم نحو 55 ألف صورة. وجالوا بها في دول أوروبية ومنظمات دولية، وقد أثّرت في صنّاع القرار في الولايات المتحدة الأميركية ودفعت نواباً وشيوخ إلى العمل على مشروع قانون لمعاقبة من دَعَم نظام الأسد مالياً أو لوجستياً.

من بين المشرِّعين البارزين الذين ساهموا في طرح القانون كان تعاون بين أعضاء في مجلسي النواب والشيوخ، ومنهم السيناتور الجمهوري جيمس ريش والسناتور الديمقرطي بوب مينينديز وغيرهم، الذين شاركوا في تقديم مشروع القانون تحت تسمية “قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين”.

بعد سنوات من المناقشات، أقرّ الكونغرس الأمريكي القانون في ديسمبر 2019 ضمن ميزانية وزارة الدفاع لعام 2020، ووقّع عليه الرئيس دونالد ترامب “خلال ولايته الأولى”، ودخل حيّز التنفيذ في 17 حزيران 2020. وكان هدف القانون فرض عقوبات على نظام “بشار الأ سد” ومَن يدعمه، بما في ذلك جهات وأشخاص يتعاملون اقتصادياً معه أو يدعمون عملياته، وقد طالت العقوبات قطاعات مثل الطاقة والمصارف والبناء وحتى الشركات التي تتعامل مع الحكومة السورية.

سُمّي القانون بـ”قيصر” تكريماً لما قدّمه فريد المذهّان من صور ومعلومات أمام الكونغرس حول انتهاكات حقوق الإنسان داخل السجون، وقد أصبحت تلك الصور رمزاً للتحقيق في الجرائم وتقديم مبررات تشريعية لفرض العقوبات.

لكن مع تغيّر المشهد السياسي – من هروب الأسد وانهيار النظام – بعد سنوات من تطبيق العقوبات، بدأ موقف الكونغرس نفسه في التراجع. منذ 2024–2025 باتت هناك دعوات داخل مجلس النواب لإلغاء العمل بالعقوبات، وطرح مشرّعون من الشخصيات قانوناُ لإلغاء قانون قيصر نهائياً عام 2025، في خطوة ثنائية الحزب تهدف إلى إنهاء فترة تطبيقه وتخفيف العقوبات.

في كانون الأول 2025 أقرّ مجلس النواب الأميركي بنداً ضمن مشروع قانون تفويض الدفاع الوطني يتضمن إلغاء قانون قيصر كجزء من تحديثات على السياسة الخارجية، ثم الموافقة النهائية المُتَوقّعَةفي مجلس الشيوخ وتوقيع الرئيس ليصبح الإلغاء رسمياً خلال الفترة المقبلة.

ماذا يعني هذا لسورية؟ إن التراجع عن تطبيق قانون قيصر أو إلغائه عملياً سيفتح الباب أمام انفراج اقتصادي مهم: من عودة الاستثمارات إلى سورية في قطاعات الطاقة والبنى التحتية. إلى تسهيل تبادل السلع مع شركاء جدد وتقليل كلفة الاستيراد، وتحسين فرص العمل مع انطلاق مشاريع تنموية جديدة.

هذه التحولات تعني أن الاقتصاد السوري يمكن أن يبدأ في التعافي بعد سنوات من القيود الاقتصادية التي أثّرت على حياة الناس ومستوى المعيشة.

من لحظة ظهور فريد المذهّان (قيصر) في 2013، مرورًا بإقرار القانون في 2019، ووصولًا إلى توجهات الإلغاء في 2025، تبدو مسيرة قانون قيصر في طور نهاية أثره. ومع هذا التراجع، باتت سورية أكثر قرباً من مرحلة الانفتاح الاقتصادي والتحسّن الاجتماعي مترافقاً ذلك ولأول مرة مع تركيب شجرة الميلاد في قصر الشعب السوري – إن صح ذلك -، ما يمنح السوريين أملاً حقيقياً في تحسين معيشتهم واستقرارهم، مع الجهود التي تُبذل لأجل ملاقاة حلول سياسية تُرضي كل الأطراف من عرب وكرد ومسلمين ومسيحيين وعلويين ودروز واسماعيليين وإيزيديين وزرادشتيين وكل المكوّنات الأُخرى.

اللهم اشهد بأنني بلغت

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

آخين ولات ليست مسألة انتماء الكرد إلى الدول التي يعيشون فيها قضية يمكن اختزالها في اتهاماتٍ جاهزة أو أحكامٍ مسبقة عن “الولاء” و”الاندماج”. إنها، في جوهرها، مرآةٌ تكشف طبيعة العلاقة بين الدولة ومواطنيها، وحدود قدرتها على استيعاب التعدد داخل إطارٍ وطنيٍ جامع. فعلى مدى قرنٍ تقريباً، نشأت في المنطقة دولٌ حديثةٌ رفعت شعارات الوحدة والسيادة، لكنها تعاملت مع التنوع القومي…

عنايت ديكو هناك خيط واحد يربط بين كلّ ما يجري على الأرض السورية معاً: تُعتبر القضية الكوردية، والخوف المزمن للسلطة من الكورد، لغةً وهويةً ووجوداً وتاريخاً، من أصعب التحديات والعوائق التي تواجهها الحكومة العربية السورية منذ تسلّمها الحكمدارية في دمشق وحتى هذه اللحظة. فالقضية الكوردية وتشعّباتها، لها تأثيرات مباشرة وغير مباشرة على شرعية الحكم في سوريا. اليوم، وبعد الاستسلام العسكري…

خالد حسو القضية الكوردية ليست قضية حزب أو تيار أو رؤية سياسية محددة، بل هي قضية شعب يمتلك تاريخاً وهويةً وحقوقاً مشروعة سعى للحفاظ عليها عبر عقود طويلة من التحديات والمعاناة. ومن هنا، فإن اختزال هذه القضية الواسعة ضمن إطار ضيق أو ربطها برأي واحد فقط، لا يخدم جوهرها الحقيقي ولا يعكس تنوع المجتمع الكوردي وغناه الفكري والسياسي. الاختلاف في…

زاهد العلواني ماموستا صلاح بدرالدين لسان حاله يقول: الشعب الكردي يريد قيادة شرعية لا أوصياء أحزاب. وكلامه هذه يعبّر عن وجع شريحة واسعة من أبناء الشعب الكردي السوري الذين تعبوا من دوامة الشعارات الفارغة، والانقسامات الحزبية والعدد تجاوز “38” والوعود التي استُهلكت منذ سنوات دون أي نتيجة حقيقية على الأرض. لقد تحولت بعض القيادات الحزبية إلى مراكز نفوذ مغلقة، همّها…