فلسفة الصمود في مواجهة الطغيان التركي

د. محمود عباس

المناضلون الأحياء خير من التضحية بالذات، مقولة ذات بعد فلسفي عميق، يجادل في فكرة أن النضال الحقيقي ليس في الفناء من أجل القضية، بل في البقاء والاستمرار في الكفاح، ولا أعني التخلي عن السلاح بدون مقابل بعد العقود الطويلة والتضحيات الجسام.

ففي الحالة الأولى، يمتلكون القدرة على تطوير القضية، والتأثير في الآخرين، وتحقيق المكاسب السياسية والاجتماعية على المدى الطويل.

وفي الثانية، رغم ما تحمله من رمزية عالية وإلهام، قد تكون في بعض الأحيان تضحية مؤلمة وغير مثمرة إذا لم تُحقق مكاسب فعلية أو تغيرات ملموسة. بينما المناضلون الذين يستمرون في نضالهم ويواصلون العمل من أجل القضية يساهمون في بناء المؤسسات، وتحقيق الإنجازات، وتقديم التضحيات الاستراتيجية المدروسة التي تعزز مسيرة النضال.

في فلسفة المقاومة، يُنظر إلى الحياة كأداة نضالية مستمرة. القوة لا تكمن فقط في التضحية السريعة بالحياة، بل في القدرة على التحمل، مواجهة التحديات اليومية، وبناء أجيال قادرة على استكمال المسيرة. المناضلون الأحياء يمثلون جسرًا بين الماضي والمستقبل، لأنهم يملكون القدرة على نقل التجربة، وتطوير الأساليب، وتحقيق النصر بطرق ذكية ومستدامة.

فعلى حركات التحرر القومي كالحركة الكوردية، وبشكل خاص حركة العمال الكوردستاني، التي تنتهج النضال العسكري إلى جانب السياسي، والتي ركزت طوال صراعها مع العدو على ضرورة النضال كعملية طويلة الأمد، تتطلب الصبر والحنكة، وليس كعمل لحظي يؤدي إلى الموت. فالحياة التي تُكرس للنضال المستمر، هي أعظم هدية يمكن أن تقدم للقضية، لأنها تمنح النضال فرصًا أكبر للتطور والنجاح.

في عالم النضال، هناك دائماً السؤال الجوهري الذي طرحناه كجدلية في البداية: هل المناضلون الأحياء خير من التضحية بالذات؟ والتي تستحق التفكر العميق، خاصة عندما نتأمل في تجارب الشعوب والحركات التحررية عبر التاريخ، نرى أن التضحية بالنفس تحمل رمزية عظيمة، لكنها غالبًا ما تأتي بثمن باهظ دون تحقيق نتائج ملموسة. إن التضحية الفورية قد تكون عظيمة في لحظتها، لكنها تفتقر إلى الاستمرارية التي تحقق الانتصارات الحقيقية.

كما قال الفيلسوف أفلاطون في “الجمهورية”، العقلانية في النضال هي مفتاح تحقيق العدالة. التضحية العاطفية والاندفاع ليست دائماً الخيار الأمثل، فالنضال الحقيقي يحتاج إلى تخطيط مدروس وفكر مستدام، وليس إلى قرارات لحظية تضيع معها الإمكانيات.

في هذا السياق، نجد أن المهاتما غاندي، رائد اللاعنف، جسد مفهوم النضال المستمر بطرق سلمية، مؤكدًا أن اللاعنف هو سلاح الأقوياء. غاندي كان يدرك أن التضحية بالنفس ليست السبيل الوحيد لتحقيق الحرية، بل إن العمل المستدام والمنهجي هو ما يحدث التغيير الحقيقي. المناضلون الذين يبقون على قيد الحياة هم القادرون على مواصلة المعركة وتحقيق التغيير. والمختلف هنا، هو أن عدو غاندي كان على بعد ما من الحضارة ونوع من الديمقراطية رغم تمسك بريطانيا بمنطق الإمبراطورية، لكنها مع ذلك كانت بعكس أعداء الكورد، رغم ذلك منطقه وحيث الصمود المستمر كثيرا ما يحمله النجاح، خاصة في هذه المرحلة الزمنية، وحيث الاختلاف الفاضح في توازن القوى مع عدو لا يعرف من الإنسانية إلا ما يفيده.

وبالمثل، نجد أن معظم الفلاسفة يؤكدون على أن الحياة بحد ذاتها هي نضال مستمر، وأن الصمود والمقاومة اليومية هما ما يجعل الإنسان قويًا. فالنجاح الحقيقي في النضال لا يكمن في الموت من أجل القضية، بل في البقاء ومواصلة النضال لتحقيق أهدافها.

أما نلسون مانديلا، فهو المثال الحي للمناضل الذي استطاع أن يغير مجرى التاريخ من خلال صبره ونضاله المستمر. مانديلا قاوم نظام الفصل العنصري، الذي لم يكن يختلف عن أعداء الكورد وخاصة الأنظمة التركية المتعاقبة، لعقود، ورغم سجنه لسنوات طويلة، إلا أنه ظل متمسكًا بالنضال، حتى حقق هدفه في الحرية والمساواة لشعبه. مانديلا قال: “الشجعان لا يخشون التسامح من أجل السلام”، وهذا يظهر أن البقاء والمثابرة هما سلاحا المناضلين الأقوياء.

وفيما يتعلق بالفكر الاستراتيجي، نجد أن الحكمة في إدارة الصراع أفضل من المواجهة المتهورة. فهو يوضح أن النجاح الحقيقي يتحقق بدون خسائر جسيمة، وأن الحفاظ على الحياة هو السبيل لتحقيق الانتصار على المدى الطويل.

إن سقراط، الذي واجه حكم الإعدام برباطة جأش، يوضح أن الحياة المثمرة والمملوءة بالتفكير الفلسفي هي أكثر قيمة من الموت السريع، حتى في مواجهة الظلم. سقراط بيّن أن الفكر والعقل قادران على إحداث تأثير أكبر بكثير من التضحية المفاجئة.

تتضح الحكمة في هذه الفلسفات مجتمعة، أن المناضلون الأحياء الذين يصمدون ويواصلون النضال بحكمة وتخطيط، هم من يصنعون التغيير الحقيقي. التضحية بالذات قد تكون نبيلة، لكنها قد تؤدي إلى نتائج غير محسوبة، مثلما نرى في الكثير من العمليات التي تؤدي فقط إلى زيادة همجية الأعداء وتصعيد القمع.

أردوغان ونظامه القمعي لا يرحمون شعبنا في غرب كوردستان. قصفهم الهمجي لا يميز بين مدني ومقاتل، ولكن يجب أن نتذكر أن القضية الكوردية لن تموت بالقصف، بل ستظل حية بفضل الإرادة الصلبة والنضال المستمر. وكما قال أفلاطون وغاندي ومانديلا، النضال الحقيقي لا يتعلق بالموت، بل بالحياة التي تُستغل من أجل تحقيق الهدف الأسمى. التضحية الحقيقية تكمن في الاستمرار في المقاومة، وليس في الموت المفاجئ الذي قد لا يحقق شيئاً سوى إرضاء العدو.

إذن، التحدي الأكبر يكمن في كيفية توجيه النضال نحو تحقيق الأهداف بعقلانية واستراتيجية، بعيدًا عن التضحية غير المدروسة، التي قد تعطي الأعداء ذريعة لتصعيد القمع.

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

mamokurda@gmail.com

25/10/2024م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحيم حسن من السهل تحميل الاحزاب الكوردية في روآڤايي كوردستان مسؤولية الاخطاء وماآلت اليه الاوضاع كما انه من السهل اتهام الشارع الكوردي بالتقاعس واللامبالاة ولكن في الحقيقة الازمة التي تعصف بالمجتمع اكثر تعقيداً فهي نتيجة تراكمات واخطاء مشتركة بين الاحزاب السياسية والنخب الاجتماعية والثقافية والمجتمع نفسه.   لاشك ان الاحزاب الكوردية تعاني من ضعف واضح من حيث التاثير والحضور الشعبي….

إبراهيم اليوسف ها قد دخلت الاحتجاجات يومها السابع، واستطاع المحتجون المشغولون بأهلهم من المواطنين، من دون تفريق، أو بحث عن: وجاهة أو جاه، خلال أسبوع كامل أن يثبتوا أن المطالبة بحق المواطن في الرغيف حين تخرج إلى الشارع فهي أبعد من أن تكون صدى لمجرد جوع، لأنها تعكس أسئلتها الكبرى. أسئلة الكرامة، إنها نتاج تاريخ كامل من…

شادي حاجي بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام، تقف سوريا أمام لحظة مفصلية لإعادة تعريف شكل الدولة ونظامها السياسي. وبين أولويات الأمن وإعادة الإعمار واستعادة الاستقرار، يبرز سؤال لا يقل أهمية: ما هو شكل الحكم الذي يُراد لسوريا أن تتجه إليه؟ وهل يمكن الحديث عن بناء دولة ديمقراطية من دون حياة حزبية فعلية؟ صدر الإعلان الدستوري المؤقت بوصفه إطاراً…

د. محمود عباس تحريف قصيدة عدي بن زيد وتعويم الذاكرة الساسانية وفي السياق نفسه يمكن قراءة صعود البرامكة ثم نكبتهم سنة 187هـ / 803م في عهد هارون الرشيد. فالبرامكة، وإن جرى تقديمهم غالبًا بوصفهم عائلة فارسية من بلخ، كانوا في جوهرهم جزءًا من بقايا البيوتات الإدارية والسياسية والثقافية التي ورثت شيئًا من تقاليد الحكم في المجال الساساني الأوسع. ومن هنا…