تحليل واستنتاج خطاب القائد عبد الله أوجلان (دعوة السلام والمجتمع الديمقراطي) (4/4)

د. محمود عباس

 

واحدة من أبرز الانتقادات الموجهة إلى أوجلان، من قبل أغلبية الشعب الكوردي، بشكل عام أي قبل الخطاب، هي تبنيه لفكرة “الأمة الديمقراطية” بديلاً عن القومية الكوردية التقليدية.  وفقًا لهذه الرؤية، لا ينبغي أن يسعى الكورد إلى دولة قومية خاصة بهم، بل إلى نظام ديمقراطي لامركزي قائم على التعددية والمشاركة في الدول التي يعيشون فيها.

هذه الفكرة تلقى معارضة من عدة اتجاهات داخل الحراك الكوردي:

  • القوميون الكورد يرون أن أوجلان يُميع القضية الكوردية ويقدم تنازلات مجانية للدولة التركية عبر إلغاء الطابع القومي للمطالب الكوردية، وتحويلها إلى قضية ديمقراطية عامة داخل تركيا.
  • أحزاب كوردية أخرى، مثل الحزب الديمقراطي الكوردستاني (PDK) والاتحاد الوطني الكوردستاني (YNK) ترى بأن الخطاب خطوة إيجابية نحو السلام، وهو ما بينته ودعمته عدة دول أوروبية وأمريكا ورئاسة هيئة الأمم المتحدة، وعلى الأرجح كان لقادتها إطلاع على المضمون، لكنها من حيث الفكرة المطروحة، قد تعتبر، بعض الأطراف الكوردية، أن هذه الرؤية، تخدم الدولة التركية أكثر مما تخدم الكورد، لأنها تكرّس فكرة أن الكورد يجب أن يندمجوا في الدول التي يعيشون فيها دون المطالبة بحقوق قومية مستقلة.
  • المعارضون داخل PKK نفسه، مثل بعض القادة العسكريين، قد يرون في هذا الخطاب محاولة لإضعاف الحركة الكوردية المسلحة دون تقديم ضمانات حقيقية من الدولة التركية. لذلك عملية إلقاء السلاح ستأخذ مسيرة طويلة من الحوارات والاتفاقيات.

 السيناريوهات المستقبلية بناءً على هذه الدعوة، قد يؤدي إلى عدة احتمالات، بعضها إيجابي وبعضها يحمل مخاطر للحراك الكوردي:

الاحتمال الأول:

تمهيد لحوار سياسي جديد بين تركيا والكورد

إذا استجابت تركيا لهذه الدعوة بإجراءات ملموسة مثل تخفيف القمع، وإجراء إصلاحات قانونية لصالح الكورد، وفتح قنوات سياسية للحوار، فقد يكون هذا بداية مرحلة جديدة تُكرّس الحقوق السياسية والثقافية للكورد داخل تركيا. لكن هذا السيناريو لا يبدو مرجحًا في ظل حكومة أردوغان المتحالفة مع القوميين المتشددين.

الاحتمال الثاني:

 استغلال الخطاب لتصفية الحراك الكوردي دون تقديم تنازلات

هناك احتمال أن يكون هذا الخطاب جزءًا من استراتيجية الدولة التركية لإضعاف الكورد، من خلال خلق انقسام داخل حزب العمال الكوردستاني بين مؤيدين ومعارضين لحل الحزب.  في هذه الحالة، قد تستخدم أنقرة الخطاب كوسيلة لإضعاف المقاومة الكوردية دون تقديم أي اعتراف بالحقوق القومية.

الاحتمال الثالث:

فشل الدعوة واستمرار الصراع

إذا لم يلقَ الخطاب دعمًا داخل الشارع الكوردي، أو من العمال الكوردستاني، قد يؤدي إلى موجة جديدة من المواجهة العسكرية بدلًا من التهدئة، حيث قد يعتبر البعض أن الدولة التركية تحاول خداع الحركة الكوردية من جديد.

من الصعب تخيّل أن تركيا ستعدل دستورها لتعترف رسميًا بالكورد كقومية مستقلة، خاصة في ظل النظام الحالي الذي يعتمد على إيديولوجيا القومية التركية الصارمة، حتى في الفترات التي شهدت محادثات سلام، لم تذهب الدولة التركية أبعد من تقديم بعض الإصلاحات الشكلية، مثل السماح ببعض وسائل الإعلام الكوردية، وإلغاء بعض القيود على استخدام اللغة الكوردية، لكن دون أي اعتراف دستوري واضح بالكورد.

إذا كان هناك أي تعديل دستوري في المستقبل، فمن المرجح أن يكون بإطار يسمح بلامركزية إدارية محدودة، وليس اعترافًا قوميًّا صريحًا، أما احتمال منح الكورد حكمًا ذاتيًا مشابهًا لإقليم كوردستان العراق، فهو غير وارد على الإطلاق في ظل النظام التركي الحالي.

الخطاب يثير الكثير من الأسئلة أكثر مما يقدم إجابات، من حيث تداعياته على المشهد السياسي الكوردي والتركي.

ومن الواضح أن الخطاب قد حظي باهتمام دولي وإقليمي واسع، حيث لاقى ترحيبًا إيجابيًا في الأوساط السياسية الكبرى، بما في ذلك الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية، فضلًا عن دعم هيئة الأمم المتحدة، التي تنظر إلى أي مبادرة سلام كخطوة ضرورية لتحقيق الاستقرار في المنطقة.

ويبقى السؤال مفتوحًا:

هل تتغير تركيا بالفعل، أم أن لعبة “السلام المشروط” ستُعاد من جديد؟ خاصة عندما تتوضح غاية أردوغان بأنها ليست فقط لحل القضية التركية الكوردية داخل تركيا، بل هناك طموحات نحو الدول المجاورة، ومحاولات للمطالبة بإزالة القوى العسكرية الكوردية في سوريا والعراق التي تنتهج إيديولوجية الأمة الديمقراطية، كحجة لديمومة التدخل في شؤون هاتين الدولتين.

والسؤال الأكبر:

 هل ستستجيب الدولة التركية لهذه الدعوة بشكل إيجابي، أم ستستغلها كأداة لتصفية القضية الكوردية؟

وهل هذه المبادرة تُطرح كجزء من حل حقيقي، أم أنها مجرد مناورة سياسية أخرى لتجميل صورة تركيا أمام المجتمع الدولي؟ خاصة بعدما أصبحت تعاني من بدايات شبه عزلة دولية، على الأقل إقليمية، من روسيا التي لم تعد تصنفها كدولة كبرى بعدما خدعها على خلفية صفقة بسيطة على مستوى سوريا، ومن إيران والدول العربية وبعض الدول الإسلامية، ولكل دولة من هذه الدولة جرج ما أو طعنة من أردوغان.

إذا كانت تركيا جادة في إيجاد حل حقيقي للقضية الكوردية، فإن الخطوة الأولى والأساسية يجب أن تكون إطلاق سراح عبد الله أوجلان، ليتمكن من التعبير عن موقفه بحرية تامة بعيدًا عن أي ضغوط أو تأثيرات سياسية، دون هذه الخطوة، يبقى الخطاب محل شك، ويظل مثار جدل أكثر من كونه خطوة جوهرية نحو الحل.

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

mamokurda@gmail.com

27/2/2025م

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ولاتي مه – خاص: أعلن خمسة من أصل سبعة أعضاء في قيادة منظمة أوروبا التابعة لحزب الوحدة الديمقراطي الكُردي في سوريا انسحابهم من صفوف الحزب، وذلك عبر بيان سياسي صدر اليوم، أشاروا فيه إلى جملة من الأسباب التنظيمية والسياسية التي دفعتهم لاتخاذ هذا القرار، بعد ما وصفوه باستنفاد جميع محاولات الإصلاح الداخلي. ويأتي هذا التطور بعد أيام قليلة من إعلان…

د. حمدي سنجاري بعض الزيارات لا تُنسى. لا لأنها تُعرّفك على مكان، بل لأنها تضعك وجهاً لوجه مع معاناة بشر حقيقيين، وآمالهم التي لم تنطفئ بعد. وحين دعاني عدد كبير من أبناء سنجار، النازحين قبل أيام في دهوك وأربيل، وجدت نفسي أمام زيارة طالما أجّلتها أكثر مما ينبغي. هناك التقيت بسنجار الحقيقية. مسلمون، إيزيديون، مسيحيون. عرب وكورد وتركمان….

تلقى النائب كبرئيل موشي سلسلة من الاتصالات والرسائل من عدد من أحزاب الحركة الوطنية الكردية في سوريا، هنأته خلالها بمناسبة نيله عضوية مجلس الشعب السوري، متمنين له التوفيق والنجاح في أداء مهامه الوطنية وخدمة أبناء الوطن. وقد وردت هذه الاتصالات والرسائل من كل من: * الدكتور صلاح درويش سكرتير الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا * السيد شلال كدو رئيس…

خوشناف سليمان ما تشهده مناطق شمال وشرق سوريا اليوم هي حالة استنزاف شاملة تضرب حياة الناس في الصميم. وتستهدف القدرة على البقاء والصمود لدى جميع مكونات المنطقة و خاصة الكرد الحرائق التي التهمت آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية خلال المواسم الأخيرة لم تكن مجرد حوادث عابرة. بل جاءت متزامنة مع سياسات اقتصادية أثقلت كاهل المزارعين. فأسعار شراء المحاصيل لم تعد…