منطقة عفرين تاريخٌ من المقاومة والتمسك بالوحدة السورية…

دلدار بدرخان

في قلب سوريا وفي شمالها الغربي تقع منطقة عفرين”كرداغ” التي تعرف اليوم بعفرين، حيث تتشابك الحكايات وتروى الأساطير عن موقف أهلها في العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين، عندما كانت المنطقة على مفترق طرق بين القوى الكبرى، وفي مرحلة حرجة من تاريخ سوريا الحديث لم تكن كرداغ مجرد جزء جغرافي من سوريا، بل كانت مركزاً ينبض بالروح الوطنية التي قاومت بشجاعة كل محاولات القوى الاستعمارية والتوسعية لتفتيت الوحدة السورية، ورغم أن المنطقة كانت قريبة من الحدود التركية إلا أن أهلها ظلوا متمسكين بوحدتهم مع سوريا، ورفضوا محاولات تركيا ضم المنطقة، ورسموا بفعلهم ملامح من الوطنية الحقة التي لا يمكن لأحد أن يشوهها أو ينكرها.

في زمن كانت فيه سوريا تحت الانتداب الفرنسي، ومن ثم تواجه محاولة تقسيمها وتشتيتها اتخذت منطقة عفرين موقفاً ثابتاً من الرفض والتمسك بوحدتها مع سوريا، وكان للأهالي في هذه المنطقة الذين سكنوا قراها ووديّاتها دور بارز في التصدي لمحاولات تقسيم سوريا، وبعيداً عن شواطئ السياسة المعقدة كانت قلوبهم تنبض مع حبات التراب السوري، وعقولهم ترفض أي مشروع يهدف إلى تمزيق هذا البلد الجميل، وكانت رياح التغيير تعصف بالأراضي السورية، فبعد أن ضمت تركيا لواء إسكندرون في عام 1939، خرجت الأصوات من منطقة عفرين “كرداغ” ترفض أي انتهاك جديد للحدود، وكان الموقف واضحاً جلياً حينما قالوا “نحن سوريون ولا شيء غير ذلك” فلم يكن هناك شك في أن أهل كرداغ بكل أصولهم الكُردية تمسكوا بجذورهم السورية، وكانوا يدركون أن الانضمام إلى تركيا لا يمثل سوى بداية للضياع في عالم يهدف إلى تقسيمهم وتشتيت تاريخهم.

أثبتت العديد من الشخصيات البارزة في المنطقة هذه الحقيقة، مثل حنان بن ملا رشيد الذي لم يرضخ لسياسات الفرنسيين التوسعية ولا لمحاولات فصل كرداغ عن سوريا وضمها الى تركيا، وكان صوتاً عالياً في تلك الفترة مطالباً بربط منطقة عفرين كرداغ بالمركز السوري في دمشق، ومؤكداً على ضرورة الحفاظ على وحدة البلاد، كما كان فخري بك شمو من راجو أحد القادة الذين تصدوا بكل قوة لمحاولات الضم التركي، لا بل كان ينظم حملات توعية ويعقد الاجتماعات التي ترفض أي تدخل خارجي في شؤون سوريا، ولم يكن هؤلاء قادة يفتقرون إلى الرؤية بل كانوا مدركين تماماً أن سوريا موحدة هي ضمان استقرار المنطقة، وأن أي محاولات لتقسيمها ليست فقط خيانة للوطن بل تهديد لمستقبل الأجيال القادمة.

ولم يقتصر موقف منطقة عفرين على المقاومة السياسية فقط بل كان لها دور كبير في الثورات ضد الاحتلال الفرنسي، فثورة إبراهيم هنانو ذات الاصول الكُردية كانت من أبرز الثورات السورية ضد الاحتلال الفرنسي في الشمال، وكان لأهالي عفرين دورٌ حاسم في دعم هذه الثورة من خلال التحشيد الشعبي والمشاركة في الأعمال الثورية، وقدمت المنطقة الدعم اللوجستي والرجال للمجاهدين ضد الفرنسيين، فقد كانت منطقة عفرين حاضرة في صفوف الثورة على الرغم من أنها كانت تقع بعيداً عن مركز الثوار، إذ توافدت جماعات من أبناء المنطقة إلى إبراهيم هنانو في حلب وغيرها من المناطق، حيث قدموا الدعم في القتال واللوجستيات، وحشدوا الأفراد لمقاومة الاحتلال.

كان موقف أهل عفرين في تلك الفترة ينبع من إيمانهم العميق بحرية سوريا ووحدتها، ومن تمسكهم القوي بمبدأ الاستقلال الذي كان يرفضه المستعمر الفرنسي، وكان ذلك الدعم يعبر عن وحدة الشعب السوري بكافة مكوناته رغم الاختلافات الثقافية والعرقية، ليؤكد أن مناضلي عفرين كانوا في طليعة هذا النضال الوطني ضد الاستعمار.

وفي ظل هذه الوقائع كان الرفض الشعبي في عفرين يتجلى في صور متعددة، فالأهازيج الشعبية التي طالما ترددت في المناطق الريفية كانت تنبذ الاحتلالات والتدخلات الأجنبية، وتنادي بالوحدة الوطنية، وكانت تلك الأهازيج التي تنقلها الألسنة من جيل إلى جيل تؤكد أن شعب عفرين ليس فقط جزءاً من سوريا من الناحية الجغرافية بل هو جزء لا يتجزأ من روحها وتاريخها، وعندما كانت التجمعات الشعبية تنعقد في القرى كانت تملؤها العزيمة والإرادة الرافضة لأي مشروع تقسيمي، وكان ذلك هو الرد الفعلي على محاولات إقناع أهالي المنطقة بالهجرة إلى تركيا أو دعم مشاريع فصل المنطقة عن سوريا.

وكانت تلك اللحظات التاريخية تقف شاهداً على الموقف الراسخ لأبناء كرداغ في الدفاع عن وطنهم، فحتى في ظل الضغوط التركية والفرنسية لم تكن هناك محاولات جادة لتمزيق هذه العلاقة الوطيدة مع سوريا، بل كان أهالي المنطقة مستعدين للتضحية بكل ما يملكون من أجل أن يبقى العلم السوري يرفرف على أرضهم، وكانوا يعتقدون أن سوريا بكاملها هي وطنهم الوحيد بغض النظر عن الثقافة أو العرق أو اللغة.

ولكن وعلى الرغم من هذه البطولة والتمسك الوطني تظهر اليوم أصوات من بعض الأحفاد المتأثرين بالفكر البعثي الإقصائي، الذي لا يزال يحمل عداءً تجاه الكُرد، هؤلاء الذين يروجون لاتهام الكُرد في سوريا بالانفصاليين والخونة، وينسون أو يتجاهلون الحقائق التاريخية التي تؤكد أن الكُرد في سوريا وخصوصاً في مناطق مثل عفرين كانوا وما زالوا جزءاً لا يتجزأ من النسيج السوري، و يمارسون تشويهاً لأبناء هذه الأرض الذين منذ زمن بعيد رفضوا أن يكونوا جزءاً من أي مشروع يسعى لتقسيم سوريا أو الاستحواذ على أرضها، فهؤلاء لا يمثلون سوى محاولات حاقدة لطمس تاريخ لا يمكن للمغالطات أن تحجب إشراقه.

إن من ينسى هذه الحقائق اليوم، ويصر على تصوير الكُرد في سوريا على أنهم غرباء أو انفصاليين هو في الحقيقة من يجهل التاريخ أو يسعى لتشويهه، فالكُرد في سوريا هم من بنوا هذا الوطن، ومناضلوهم كانوا دائماً في طليعة مقاومي الاستعمار بل وفي مواجهة القوى التوسعية التي حاولت تقسيم وطنهم.

التجمع الوطني الكُردي في سوريا

……….

المصادر:

  1. كتب تاريخية عن تاريخ سوريا المعاصر.
  2. مراجع تاريخية عن الكُرد في سوريا.
  3. شهادات وتقارير من الأرشيف الوطني السوري.
  4. مقابلات مع أهالي منطقة عفرين وأبحاث متعلقة بتاريخهم السياسي والاجتماعي.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ماجد ع محمد من بعض الحقائق العلمية في أكثر من جانب من جوانب الحياة، أن التعاطي مع ملف ما في بقعة معيّنة ونجاحها هناك لا يعني بأن العملية ذاتها إن تكررت ستفلح في بقعة أخرى، مثلما أن الدواء المفيد لهذا الجسم ليس بالضرورة أن ينفع ذلك الجسد، ففي الجانب الصحي من الأخطاء الصحية الكارثية الاعتماد على الوصفات الجاهزة التي يلجأ…

شادي حاجي من أغرب المفارقات في سوريا الحديثة أن الكردي، الذي ينتمي إلى قومية غير عربية، كان يجد نفسه في بعض الوثائق الرسمية مُعرَّفاً بصفة “عربي سوري”. قد يبدو الأمر للبعض مجرد تفصيل إداري أو مسألة شكلية لا تستحق النقاش، لكن الحقيقة أن هذه العبارة تختصر أزمة دستورية وسياسية عميقة تتعلق بطبيعة الدولة نفسها: هل سوريا دولة لجميع مواطنيها،…

محي الدين حاجي التاريخ القريب والبعيد يثبت بلا مواربة أن فكرة التآخي والديمقراطية هي امنية وعاطفة لدى الطبقات الفقيرة المسحوقة وهدف السلطة والشهرة والاستبداد لقسم اخر وقد ولى عهدها عملياً. إن الأحزاب الشيوعية العالمية بقيادة الاتحاد السوفيتي سابقا — رغْم سلطتها الحديدية ونفوذها الذي حكم نصف الكرة الأرضية — فشلت فشلاً ذريعاً في صهر القوميات وتحقيق هذا الشعار….

أحمد بلال العمل السياسي والتنظيمي في بنائه يشبه البناء العمراني الذي تعتمد متانته على قوة أساساته. وليس من الضروري أن يكون المرء مهندسًا ليعرف أهمية الأساسات، فالمهندس والعامل البسيط يدركان معًا أن أي بناء لا يمكن أن يقف من دون أساس متين. الفرق أن المهندس يعرف الحسابات الدقيقة وكميات المواد اللازمة وطرق التنفيذ، بينما يدرك العامل من خلال خبرته…