كيفَ نفهمُ الحرّية مع غلاء المهور؟؟!!/ الحلقة (12)

 

نارين عمر
ربّما يبدو الموضوع الذي سأخصصُ هذه الحلقة له للوهلة الأولى موضوعاً شائعاً ومعروفاً ومألوفاً وتخصّصَ الكثير للحديثِ عنه وهو موضوع المهر وغلائه الفاحش وعواقبه السّلبية الأليمة على المجتمع  لكنّي ارتأيتُ أن أناقشه من زاويةٍ أخرى أشبه بما وراء الكواليس حيثُ تختبئ فيها الأسباب الحقيقية التي تحولُ دون التوصّل إلى حلّ حقيقيّ وشامل لهذا الدّاء المستشري في أعماق كلّ أسرةٍ تتطلعُ نحو التآلفِ والدّيمومة كما أرى.
بداية أقول: كلنا مسؤولون عن غلاء المهور رجالاً ونساءً ،ولا يحقّ لأيّ منّا أن يبرّئ نفسه وذمته وبأيّ شكلٍ من الأشكال , لأنّ عواقبه قاتلة للمجتمع كله بجميع أفراده.
  في كلّ فترةٍ ومرحلة يتفنّنُ الإنسانُ في ابتداع طرقٍ جديدة للتعامل مع هذه المسألة المستعصية على الحلّ في رأيهم, وأبرز وسائلهم وطرقهم المستحدثة أنّ الأهلَ يتسلمون المهر من هنا وينادون على ابنتهم من هناك وأمام الحضور يسلمونها إيّاه ليثبتوا للطّرف الآخر /أهل العريس/ أنّهم لم يطلبوه رغبة أو طمعاً في ملء جيوبهم, حتى وإن كانت خالية البال وبريئة من المال تماماً ,ولن يصرفوا منه قرشاً واحداً بل طلبهم جاء بناءً على إصرار الابنة وأمّها أحياناً وهم بذلك يمارسون الدّيمقراطية الحقة تجاه بناتهم ويمنحونها الحرّية الكاملة في التّصرّف بمصيرها في اختيارها لشريك حياتها أوّلاً, وفي تجهيزها لبيتها الجديد ثانياً لأنّهم يؤكّدون على حرصهم على رضا ابنتهم.
أمّا الطريقة الأخرى يلجأ إليها الرّجال المحافظون الذين يتركون مهمّة الأمر لآبائهم الكبار أي جدّ العائلة أو كبيرها الذي يبدأ الحديث بإلقاء محاضرةٍ على أسماع الحضور الخاطبين, ثمّ يحدّد ما يشاء مذكّراً إيّاهم ولمرّاتٍ عدّة بأنّ ابنتهم ليست للبيع والشّراء وأنّهم يتقيّدون بما جاء في الكتب السّماوية وما جاء في سنن الرّسل والأنبياء والقدّيسين .

ولكنّ عقدة الموضوع ومحوره هو الرّجل الشّاب وخاصّة المتعلّم منهم الذي يتهرّبُ من مسؤوليته تهرّباً هو يفسّره على أنّه ذكاء ودبلوماسية منه حينما يدّعي أنّه ليس المسؤول المباشر عن زواج أخته بل المسؤول هو الأب والأمّ والجدّ وهو لا يتدخّلُ في شؤون العائلة الاجتماعية احتراماً لكبار العائلة وتقاليدها وأعرافهاعلى الرّغم من أنّه يبدي معارضته شبه التامة لمثل هذه العادة التي توارثناها عن الأسلاف والتي تشكل إهانة مباشرة وغير مباشرة للفتاة اليافعة والمرأة ككلّ أمّا إذا تعارضتْ مصلحته الشّخصية أمام بعض أفراد العائلة فإنّه يتناسى كلّ ما ينادي به ويواجههم بكلّ قوّةٍ وعناد لأنّه على حق وهم على باطل إلى أن يحصلَ على ما يريد ويبغى أيّاً كان مراده وغايته.
إذاً المشكلة الأساسية تكمنُ في الرّجال الشّباب الذين يعيش ويتعايش  كلّ منهم بشخصيتين الأولى مسالمة, راضخة, مستسلمة للأمر الواقع إذا كان الأمر متعلقاً بأحد أفراد العائلة وخاصّة الأنثى منهم والأخرى شخصية ثائرة,متمرّدة, قادرة عنيدة لا تلين إلا بتحقيق مطالبها إذا تجرّأ أحدهم على لمس شعرة منه وهذا النّوع من الشّباب وكما أسلفتُ يعدّ الأكثر تهجّماً على غلاء المهور ويدعو إلى إضرابٍ الشّباب عن الزّواج احتجاجاً على ذلك ليزدحم عدد الفتيات العازبات على عاتق المجتمع ويضطرّ الأهلُ في النهاية إلى الحدّ من غلائه وغليانه.بل ربّما يذهب إلى أبعد من ذلك حين يحرّض البنات على التمرّد على الأهل وفرض فتى الأحلام عليهم وبالشّروط التي تمليها هي ليكون هو فيما بعد أوّل مَنْ يندّدُ بها إذا تفوّهتْ بمثل هذه الأفكار ولو نظرياً ويبدي ازدراءه وتأفّفه ليثبتَ لمجتمع الرّجال أنّه رجلٌ محافظ على سمعةِ المجتمع وأفراده.
الكثير من شبابنا هاجروا بالمبلغ المفترض أن يكون مهراً لخطيباتهم لأنّهم فكرّوا في مستقبلهم القريب والبعيد وتساءلوا: ماذا بعد الانتهاء من مراسم الخطوبة والزّفاف؟! وأتذكرُ شابّاً تلقى من أخته الكبرى والمهاجرة إلى إحدى الدّول مبلغاً من المال كان يكفي مهراً محترماً لرفيقة خياله لكنّه آثر أن يهاجر بالمبلغ وأمثال هذا الشّاب كثر والذي لايصحّ له تجاوز الحدود الخارجية لوطنه يطوفُ في دهاليز مدن الوطن الكبيرة وغالباً ما يتعرّفُ على فتاةٍ ويطلبها للزّواج لأنّ أهل العروس لم يطلبوا منه مقدّم المهر بل اكتفوا بما يسمّى بالمؤخّر الذي يصبحُ وبالاً عليه إذا ما نشبت بينهم خلافاتٌ تدفعهم للانفصال ليظلّ يعيش حياة الأرامل لسنوات فالزّوجة عند أهلها وهو إمّا يعود إلى دفء أسرته أو يسكن لوحده يتجرّعُ حزناً وكمداً.
وإذا تساءلنا عن الحلول فأعتقدُ أنّها جلية وواضحة للجميع ولا تحتاج إلى جهدٍ فكري كبير لنتلمّسها أوّلاً: أن ندرس المشكلة من كلّ جوانبها ونتوقفَ طويلاً عند آثارها السّلبية على المجتمع ككل والشّباب على وجه الخصوص.
ثانياً: أن يواجه كلّ فردٍ من دون استثناء هذه المشكلة ويعالجها وأن يقرن قوله بالفعل الحقيقي والفعّال فإذا تمكن من الانطلاق من ذاته وأسرته فهذا يعني المعالجة الأكيدة للمجتمع كله لأنّ المجتمع هو نتاج مجموع هذه الأسَر.
ثالثاً: أن نتجاوز ما نسميها عقدة المجتمع التي نعقد بها وفيها كلّ ما ترسّخ في أذهاننا ونفوسنا من معتقدات والتي تولد عقدة أكبر وأصعب تكمن في خوفنا من مواجهة بعضنا لبعض, وألا يكون أحدنا هو البادئ بتغيير ما لا يحبّذ من هذه المعتقدات فيكون هو كبش الفداء كما يُقال.
رابعاً: أن يُطلبَ من الشّاب المتقدّم للخطبة أن يقوم بشراء ما يتناسبُ ويتماشى مع وضعه المادي والاقتصادي بدءاً من الأهمّ لأنّ هناك مسألة مهمّة جدّاً قلما نتوقف عندها ونتلمسها تتعلقُ بالعروس التي تتباهى بحليها وجهازها أمام مثيلاتها والآخرين, والفرح والسّرور يملأ كلّ كيانها كيف لا….

وهي التي ستتحوّل بعد أيّام إلى سيّدة بيتٍ حرّة ولكنها وبعد انتهاء العرس بفترة قصيرة تجد نفسها مجرّدة من كلّ ما كانت تتزيّن به وتزيّن غرفتها وكأنّها كانت تعيشُ في حلم جميل حتى أيقظها ناقوس الواقع الصّارخ, الصّاخب وربّما يتساءل البعض على أنّ ذلك تمّ بإرادتها ولكنّ الحقيقة تقول خلاف ذلك فهي توافق مكسورة النفس والخاطر ومضطرة وخانعة.

لذلك وحفاظاً عليهما (النفس والخاطر) يُفضّل أن يشتري العروسان ما يلزمهما وتتمّ فرحة العروس ببيتها الجديد.
إذاً كلنا مسؤولون عن غلاء المهور بطريقةٍ مباشرة أو غير مباشرة ولا يحق لأيّ منا أن يلقي باللائمة على غيره.

 

وإلى حلقةٍ أخرى…

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أربيل لن تبقى عاصمة إقليم كوردستان فحسب شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…

نورالدين عمر تمر القضية الكردية اليوم بمنعطف تاريخي لا يقبل أي خطأ استراتيجي، فبين طموحات التحرر وتحديات الواقع الجيوسياسي، تبرز ضرورة تجاوز مرحلة الشعارات الحزبية التقليدية. إن قراءة المشهد الحالي تفرض علينا الاعتراف بأربع ركائز أساسية لا يمكن القفز فوقها إذا أردنا صياغة مستقبل يليق بتضحيات هذا الشعب. أولاً: الوحدة كضرورة وجودية لا أحد ينكر أن الحركة الكردية تعاني…

عدنان بدرالدين لم تكن القضية الكردية في تاريخها الحديث مجرد صراع سياسي بين شعب ودول تتقاسم أرضه، بل كانت أيضاً مجالاً تشكّلت داخله أنماط متعددة من الانخراط الفكري، وطرائق مختلفة لتفسير التجربة الكردية، وشرح إخفاقاتها وإنجازاتها، وتخيّل آفاقها السياسية الممكنة. فالمثقف الكردي نادراً ما كان مجرد مراقب لما يجري في المجال السياسي. ففي مراحل عديدة من التاريخ السياسي الكردي لعب…