من أخطأ بحق البيشمركه أكثر.. حماس أم فتح.؟

محسن جوامير ـ كاتب كوردستاني

أثارت كلمة ذكرها رئيس وزراء فلسطين الأستاذ إسماعيل هنية في مهرجان الصمود والثبات في غزة الذي حضره نصف مليون شخص، تساؤل الكثير من الناس وإستغراب الكورد الذين وجدوا أنفسهم دائما اقرب إلى الشعب الفلسطيني تأريخا ونضالا وتوجها نحو الإنعتاق..

حيث جاء ذكر البيشمركه في سياق الهجوم على خصومه الذين يتهمون القوة التنفيذية الخاصة بحماس كونها محتكرة لها دون البقية، وبهذا الشكل : ( للذين يصفون هذه القوة الأبية الطاهرة أنها عصابة وبيشمركه ولواء الذئب ومغاوير الداخلية، أقول لهم : هؤلاء الشباب تخرجوا من ميادين المقاومة والجهاد، وتخرجوا من السجون والمعتقلات..

) إلى آخره..

 

الحقيقة أنا من المتابعين لمجريات القضية الفلسطينية ومهتم بها، لاسيما في الآونة الأخيرة حينما تعرض الشعب الفلسطيني إلى أشد انواع الإنتهاكات والمداهمات والهجمات التي طالت الأطفال والعجزة، بل كل الأبرياء، وكتبتُ عنها وكانت تنتابني أحيانا الرجفة والهزة..

ولازلت أعيش في محنتهم وسَنة عُسْرتهم وأتابع أوضاعهم ودائما اتمنى ان يوفقوا للإتفاق والوحدة للخروج من عنق الأزمة التي أنهكت فلسطين بما فيها العزيزة غزة.
إن علاقة  الكورد بالفلسطينيين تختلف تماما عن علاقتهم بباقي الشعوب العربية أو الإسلامية، حيث لم يشهد تأريخ الروابط الكوردستانية ـ الفلسطينية أي نقطة سوداء يمكن أن يعاتَب عليها الكورد..

فكيف يجوز  توجيه الإتهام إلى أقوى قوة شعبية تحررية في تأريخ الكورد والمنطقة  ألا وهي : البيشمركه، والتي لولاها لما بقي للكورد تاريخ أو جغرافية، بل وحتى قضية، ناهيكم عن وجود العرب والترك والكلدوآشوريين والسريان بينهم في جبال ووديان كوردستان.
وفي نضال رجال البيشمركه كتبت أشعار وسُجلت أغان وتحركت لهم أوتار وغنت لهم حناجر، ودبك الابناء على إيقاع اقدامهم في الجبال والحواضر، ونظمت لهم المعارض في البلاد والشتات للتعبير عما في العلن والسرائر..

دع عنك حكايات البطولة ومواقف الصبر والتحدي والرجولة من على حبل المشنقة، او المقاومة في اشد الظروف واحلك الاوقات التي إنعدمت فيها الرؤية بدقة.! وهي تروى من جيل للذي يليه في البيوت والازقة.
وهذا لا يعني أن البيشمركه فوق الأخطاء والشبهات أو ملائكة، فهم بشر خلقوا من تراب ثم من نطفة ثم من علقة..

ولكنهم أحفاد للناصر الايوبي الذي ما اظن أن هناك بيتا في فلسطين لا يذكره بكل ود أو رقة.
إنني شخصيا لمّا سمعت هذا الكلام كدت لا أصدقه، وبدأت ابحث عن الأعذار أو أقول للأستاذ هنية في نفسي : عفا الله عنك، ما هذا الكلام.! ولو كنت قد سمعته من العوام، لما وقعتُ في مثل هذه الدهشة والإنفصام، لأنني أعلم ـ ويكاد يكون عاديا ـ ان يكون لمجتمع ما تعليقات أو فلسفات أو وصفات خاصة على مجتمع آخر، وهذه الظاهرة موجودة في كل العالم وبين كل الشعوب من دون إستثناء، وقد تقع في إطار النكت وضحك الجمع والأصدقاء، ولو إنها مرفوضة بأمر مِن الباري ( لا يسخر قوم من قوم، عسى أن يكونوا خيرا منهم ) في العلن أو في الخفاء..

أما أن يأتي رئيس وزراء دولة ما  ويحاول أن يدفع عن انصاره إتهاما جاءه من خصومه في الحكم، وعلى حساب شعب آخَر، فهنا بيت القصيد للتساؤل والإنتقاد بجدية وإلقاء العتب بغضب أو دون غضب في هذه الدنيا وليس في العالم الآخَر.!
ولعلم الإخوة في حماس وفتح، إن عكس البيشمركه في الكوردية هو ( الجاش ) : أي الجحش ( ولد الحمار )، والجاش : يوصف به من يقاتل في صف عدو الكورد مثلا.

ومن خلال إسقاط التسمية هذه على الحالة الفلسطينية، يمكن ـ مثلا ـ أن يسمى كل فلسطيني يقاتل شعبه لمصلحة الأعداء بأنه : جاش.

وكل فتحاوي أو حمساوي يناضل من أجل إستعادة حقوق شعب فلسطين، فهو لاريب : بيشمركه.

وكلمة بيشمركه تعني: المقاتل المستعد للموت وهو في الصف الأمامي، وقد تكون أقوى دلالة من الفدائي، ولا تنتهي بحرف التاء بل بالهاء وهذا قول فصل ونهائي.
وفي نفس الوقت يجب أن لا ننسى باننا إذا ما اردنا توجية اللوم إلى ما ذكره الأستاذ هنية، فينبغي عدم الإقتصار أو الإزدحام عليه في وقت إجتمعت الدنيا وألأنام عليه بشتى الطرق الفنية، لسبب بسيط هو أنه أراد بذلك الرد على الذين يشبهون القوة التنفيذية لحماس بالبيشمركه، أي أن هذا الوصف الإتهامي الذي يريد أن يبرئ ساحة حماس منه، صادر عن خصمه فتح أولا..

أي إننا إذا عاتبنا هنية على إهانته للبيشمركه، فيجب أن نسمع أيضا من خصومه في فتح ـ  خاصة ـ عن دواعي النظرة الدونية التي من خلالها يهينون قوة تأريخية حامية  للكورد الا وهي : البيشمركه.!
كما أسلفت ليس هناك تأريخ مشترك في المنطقة، أنقى وأعرق من تأريخ العلاقات الكوردية الفلسطينية..

وليس هناك شعب يشعر بألم الفلسطينيين كشعب كوردستان لانه عانى ورأى الأمرّين ومازال، وهنا لا اتكلم عن الزبد والشوائب والزوائد من اي طرف والتي لا تخلو الدنيا منها بحال..

لذا لم أجد ما يبرر حصر البيشمركه في هذه الزاوية الحرجة المظلمة من قبل دولة السيد رئيس وزراء فلسطين من خلال إلقاء الكلام على عواهنه، والرد على الخصم على حساب الكورد وبما قد يُسقط البيشمركه من عين الشعب الفلسطيني الشقيق الذي نحبه ولا نريد أن ينظر إلى هذا الرمز الكوردي من زاوية الملابسات وبالتالي الإنتقاص من قدره في المناسبات، لأنه كان طوال أكثر من أربعة عقود بمثابة الوسام الذي لم ينله ـ من الكورد والعرب والآخرين ـ  إلا ذو حظ عظيم، ومبعث فخر لكل إنسان في منطقتنا التي دهس الطواغيت والمجرمون كل قيمها من أجل أنانيتهم ووحشيتهم، حتى اتى الله بنيان بعضهم من القواعد ( فخر عليهم السقف من فوقهم، واتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ).
فبماذا يجيب الفريقان شعب كوردستان يا ترى.؟

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أربيل لن تبقى عاصمة إقليم كوردستان فحسب شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…

نورالدين عمر تمر القضية الكردية اليوم بمنعطف تاريخي لا يقبل أي خطأ استراتيجي، فبين طموحات التحرر وتحديات الواقع الجيوسياسي، تبرز ضرورة تجاوز مرحلة الشعارات الحزبية التقليدية. إن قراءة المشهد الحالي تفرض علينا الاعتراف بأربع ركائز أساسية لا يمكن القفز فوقها إذا أردنا صياغة مستقبل يليق بتضحيات هذا الشعب. أولاً: الوحدة كضرورة وجودية لا أحد ينكر أن الحركة الكردية تعاني…

عدنان بدرالدين لم تكن القضية الكردية في تاريخها الحديث مجرد صراع سياسي بين شعب ودول تتقاسم أرضه، بل كانت أيضاً مجالاً تشكّلت داخله أنماط متعددة من الانخراط الفكري، وطرائق مختلفة لتفسير التجربة الكردية، وشرح إخفاقاتها وإنجازاتها، وتخيّل آفاقها السياسية الممكنة. فالمثقف الكردي نادراً ما كان مجرد مراقب لما يجري في المجال السياسي. ففي مراحل عديدة من التاريخ السياسي الكردي لعب…